التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف بدأت إيران رحلتها في عالم الصواريخ؟

 شهدت صناعة الصواريخ في إيران مساراً تصاعدياً ارتبط بالتحولات السياسية والأمنية التي عاشتها البلاد منذ أواخر سبعينات القرن العشرين. فقبل عام 1979، اعتمدت طهران بشكل شبه كامل على استيراد الأسلحة من الولايات المتحدة وحلفائها، ولم يكن لديها برنامج صاروخي وطني مستقل. إلا أن قيام الثورة الإسلامية وقطع العلاقات العسكرية مع الغرب فرضا واقعاً جديداً، دفع القيادة الإيرانية إلى تبني خيار الاكتفاء الذاتي في المجالات الدفاعية.

الحرب كبداية فعلية للتحول


شكّلت الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988) نقطة التحول الأكثر حسماً. فقد تعرّضت المدن الإيرانية لقصف صاروخي مكثف فيما عُرف بـ“حرب المدن”، ما كشف محدودية قدرة إيران على الردع بعيد المدى. خلال تلك المرحلة، لجأت طهران إلى استيراد صواريخ “سكود” من دول مثل ليبيا وكوريا الشمالية، وبدأت في تجميعها وصيانتها داخلياً، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى مرحلة الهندسة العكسية والتطوير المحلي.


من “شهاب” إلى الوقود الصلب


في تسعينات القرن الماضي، ظهرت سلسلة صواريخ “شهاب”، بدءاً من شهاب-1 (المعدل عن سكود B)، وصولاً إلى شهاب-3 متوسط المدى. مثّلت هذه السلسلة نواة البرنامج الصاروخي الإيراني الحديث، وأسست لخبرات محلية في مجالات التصنيع، وأنظمة التوجيه، وهندسة المحركات.


لاحقاً، شكّل الانتقال إلى تقنيات الوقود الصلب قفزة نوعية، تجسدت في صواريخ مثل “سجّيل”. فالوقود الصلب يمنح الصاروخ سرعة جاهزية أعلى، ويقلل زمن التحضير للإطلاق، ويزيد من صعوبة استهدافه قبل الإطلاق مقارنة بالصواريخ العاملة بالوقود السائل.


كما شهدت هذه المرحلة تطوير عائلة “فاتح-110” قصيرة ومتوسطة المدى، إلى جانب منظومات مثل “قيام” و“الخليج الفارسي”، ما يعكس توجه البرنامج نحو تحسين الدقة وتنوع الاستخدامات العملياتية.


شخصية محورية: حسن طهراني مقدم


يُعدّ حسن طهراني مقدم من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بتأسيس وتطوير البرنامج الصاروخي الإيراني.


النشأة والمسار العسكري

ولد عام 1959 في طهران.

درس الهندسة الصناعية.

انضم إلى Islamic Revolutionary Guard Corps بعد الثورة عام 1979.

أسّس أول وحدة مدفعية في الحرس الثوري خلال الحرب مع العراق.

تولّى عام 1985 قيادة وحدة الصواريخ أرض–أرض التابعة للقوة الجوفضائية للحرس.


دوره في بناء البرنامج


يُنسب إليه:

تطوير صواريخ “شهاب-1” عبر تعديل سكود B.

إدارة مشاريع “شهاب-2” و“شهاب-3”.

تطوير أنظمة توجيه محلية.

الإسهام في الانتقال إلى تقنيات الوقود الصلب.

الإشراف على مشاريع مثل “فاتح-110” و“قيام”.


وفي عام 2006، تولّى رئاسة منظمة جهاد الاكتفاء الذاتي التابعة للحرس الثوري، وهي الذراع الفنية المسؤولة عن التطوير المحلي للمعدات العسكرية.

الوفاة


قُتل طهراني مقدم في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 إثر انفجار في قاعدة عسكرية غرب طهران خلال تجربة صاروخية، وهو حدث شكّل محطة بارزة في تاريخ البرنامج.

العقوبات كعامل تسريع


أسهمت العقوبات الدولية في دفع إيران إلى تقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين، وتعزيز شبكات البحث والتطوير الداخلية. وبدلاً من إبطاء البرنامج، أدّت القيود المفروضة على استيراد التقنيات إلى تسريع مساعي التصنيع المحلي، وتوسيع القدرات الهندسية الوطنية


خلاصة

نشأ البرنامج الصاروخي الإيراني من حاجة دفاعية مباشرة خلال الحرب مع العراق، لكنه تطور تدريجياً ليصبح أحد أعمدة الاستراتيجية العسكرية الإيرانية. ومع محدودية سلاح الجو التقليدي، باتت الصواريخ أداة الردع الرئيسية لإيران، ورمزاً لقدرتها على تحويل الضغوط الجيوسياسية والعقوبات إلى حافز لبناء منظومة عسكرية محلية متكاملة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...

هل توجد إرادة سياسية حقيقية في المفاوضات بين الدولة الصحراوية والاحتلال المغربي؟

​  هل  توجد إرادة سياسية حقيقية في المفاوضات بين الدولة الصحراوية والاحتلال المغربي؟ يعدّ النزاع في إقليم الصحراء الغربية من أطول النزاعات في القارة الإفريقية، ولا يزال يراوح مكانه رغم تعدد جولات التفاوض والمساعي الأممية. وبينما تتعاقب المبادرات والمقترحات، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: هل توجد إرادة سياسية حقيقية من الأطراف المنخرطة في المفاوضات من أجل حل عادل ونهائي للنزاع، أم أن المسار التفاوضي أصبح مجرد وسيلة لإدارة الأزمة بدل حلها؟ بين  الإيمان بالنصر وواقع الصراع انطلاقًا من عقيدتنا الإسلامية، نؤمن بأن النصر من عند الله، وأنه سبحانه وتعالى قادر على نصر عباده المظلومين، مهما طال الزمن واشتدت المحن. كما نوقن أن النصر لا يُمنح مجانًا، بل يُنتزع بالصبر والثبات والتضحية، وأنه غالبًا ما يأتي بعد لحظات من اليأس والقنوط، حين يظن الناس أن لا مخرج قريب من الأزمة. هذا الإيمان لا يلغي أهمية العمل السياسي والدبلوماسي، بل يعززه، لأن الأخذ بالأسباب جزء من العقيدة نفسها. ومن هنا، فإن التفاوض ليس خيار ضعف، بل أداة من أدوات النضال إذا كان يستند إلى وضوح في الرؤية وثبات في الموقف. الاست...

هل الاحتلال المغربي، في سياق القضية الصحراوية، حسم الأمر فعلاً لصالحه؟

​  بعد أن استنفد الاحتلال المغربي أدواته في فرض وتشريع احتلاله للصحراء الغربية، تُروِّج الدعاية المغربية لفكرة أن القضية قد انتهت («سالات»). لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يتقدّم جنديٌّ واحد خارج حزام الذل والعار؟ ولماذا طلب المغرب الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي، واعترف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وورد اسم الجمهورية واسم رئيسها إبراهيم غالي في الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، ضمن «العدد 6539 مكرر» الصادر بتاريخ 31 يناير 2017، وذلك في سياق نشر القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي بعد انضمام المغرب مجدداً إلى الاتحاد الإفريقي، بتوقيع ظهير ملكي (ظهير رقم 02.17.1) بتاريخ 31 يناير 2017؟ وقد ورد ضمن لائحة رؤساء الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي اسم رئيس أو ممثل الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، سواء بالاسم أو بالترتيب ضمن القائمة، حيث جاء في المرتبة 39 بحسب النسخة المتداولة من الجريدة. ولماذا لجأ الاحتلال المغربي إلى التطبيع العلني مع إسرائيل بعد سنوات من التطبيع غير المعلن؟ للإجابة عن هذه التساؤلات بعيداً عن الدعاية المغربية: لم يتجاوز الجيش الملكي ما يُعرف بحزام ال...