منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، أعاد إلى الواجهة شعار حملته الأشهر: «أميركا أولاً». لم يكن الشعار مجرد عبارة انتخابية، بل تحوّل إلى توجّه سياسي واضح تجلّى في قرارات انسحبت بموجبها الولايات المتحدة من عشرات الاتفاقيات والمنظمات الدولية، من بينها كيانات مرتبطة بالأمم المتحدة. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يعزّز هذا المسار عظمة أميركا فعلًا، أم يُقلّص نفوذها العالمي؟
في يناير 2026، أُعلن عن انسحاب الولايات المتحدة من 66 اتفاقية ومنظمة دولية، بينها 31 كيانًا تابعًا لمنظومة الأمم المتحدة. برّرت الإدارة القرار بأن بعض هذه الهيئات «لا تخدم المصالح الأميركية» أو تفرض التزامات لا تتناسب مع أولويات واشنطن. لكن منتقدي القرار يرون أن الانسحاب من المؤسسات الدولية لا يعني التحرر من القيود بقدر ما يعني التخلي عن أدوات التأثير.
لقد شكّلت الأمم المتحدة، منذ تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية، إحدى أهم منصات النفوذ الأميركي. فمن خلالها ساهمت واشنطن في صياغة قواعد القانون الدولي، وترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان، وتنظيم العلاقات الاقتصادية والأمنية بين الدول. كانت المشاركة الفاعلة داخل هذه المؤسسات تمنح الولايات المتحدة قدرة على التأثير من الداخل وصياغة القرارات بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
أما الانسحاب، فيراه البعض خطوة نحو العزلة النسبية، أو على الأقل تقليصًا للأدوات الناعمة التي استخدمتها واشنطن لعقود. فالقوة في النظام الدولي المعاصر لم تعد عسكرية واقتصادية فحسب، بل مؤسسية أيضًا. ومن يغادر المؤسسة يفقد تدريجيًا القدرة على توجيهها.
في السياق الفكري والسياسي، يذهب بعض الكُتّاب إلى تفسير هذا التحوّل بوصفه تعبيرًا عن أزمة أعمق في الحضارة الغربية، مستشهدين بآيات قرآنية مثل قوله تعالى:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16).
ويرون أن الاستعلاء السياسي والتفكك القيمي قد يقودان إلى نتائج تاريخية قاسية على أي حضارة، مهما بلغت من القوة.
يبقى الفرق الجوهري بين الأمم المتحدة وأي مشروع دولي بديل أنها مؤسسة متعددة الأطراف لا ترتبط بشخص أو إدارة بعينها، بينما السياسات الفردية أو «الشخصنة» في العلاقات الدولية قد تتغير بتغير القيادة. فالمؤسسات تبقى، أما الأشخاص فيغادرون.
في المحصلة، قد يرى أنصار «أميركا أولاً» أن تقليص الالتزامات الدولية يمنح واشنطن حرية حركة أوسع. لكن في المقابل، يرى منتقدون أن القيادة العالمية لا تتحقق بالانسحاب، بل بالحضور والتوجيه من الداخل. السؤال الذي سيحسمه التاريخ هو: هل تمثل هذه السياسات إعادة تموضع ذكية، أم بداية انكفاء استراتيجي يفتح المجال لقوى دولية أخرى لملء الفراغ؟
ذلك ما ستكشفه السنوات القادمة
تعليقات
إرسال تعليق