التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا يكذب الاحتلال المغربي وإعلامه على نفسه؟

لماذا يكذب الاحتلال المغربي وإعلامه على نفسه؟

يميل الإنسان، في لحظات كثيرة، إلى تبنّي الوهم بدل مواجهة الحقيقة. فالعقل أحيانًا “يحمي” صاحبه من الألم النفسي الذي يرافق الاعتراف بالواقع. غير أن هذه الحماية المزيّفة لا تخلو من ثمن؛ لأن الاعتراف بالحقيقة لا يعني مجرّد معرفة، بل يستتبع التزامًا: قرارًا يجب اتخاذه، تغييرًا ينبغي القبول به، أو مواجهة لا يمكن الهروب منها. ولهذا يفضّل البعض العيش في الوهم، ليس بالضرورة بدافع الخبث، بل أحيانًا بسبب الضعف والخوف من تحمّل المسؤولية.


يمكن إسقاط هذا المعنى على سلوك الاحتلال المغربي وإعلامه في تعاطيه مع قضية الصحراء الغربية. فمنذ بداية الصراع مع الشعب الصحراوي، دأب الإعلام الرسمي المغربي، ومعه ما يُعرف بالإعلام الأصفر، على الترويج لسلسلة طويلة من الأكاذيب والسرديات المتناقضة، في محاولة دائمة للهروب من الحقيقة.


سردية “الحروب الوهمية”


من بين أبرز هذه الأكاذيب الادعاء المتكرر بأن المغرب في مواجهة أو “حرب” مع دول عدة مثل الجزائر، كوبا، فيتنام، و**مالي**، وغيرها. تُستعمل هذه السردية لتقديم المغرب في صورة “الضحية المحاصَرة”، بينما الواقع يبيّن أن جوهر النزاع هو صراع تصفية استعمار بين الاحتلال المغربي والشعب الصحراوي، وليس نزاعًا إقليميًا كما يحاول الإعلام تصويره.


تزوير الجغرافيا والواقع الميداني


يستمر الإعلام المغربي في إنكار وجود مناطق محررة في الصحراء الغربية، رغم أن هذه المناطق شاسعة، وتفوق مساحتها مساحة عشرات الدول المعترف بها دوليًا. ومع ذلك، تصرّ المنابر الرسمية وبعض المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي على ترديد مقولة “لا توجد مناطق محررة”، في تجاهل صارخ للوقائع الميدانية وللتقارير الدولية المستقلة.


إعلام بلا تعددية


في معظم دول العالم، توجد صحافة مهنية ذات مصداقية إلى جانب صحافة صفراء تميل إلى الإثارة والتضليل. أما في الحالة المغربية، فتبدو المفارقة واضحة: أغلب وسائل الإعلام إما حكومية بشكل مباشر أو خاضعة لرقابة مشددة، في حين تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى امتداد لخطاب رسمي يقوم على التزييف، والتضليل، وتخوين كل رأي مخالف.


أزمة وعي لا مجرّد كذب


إن ما يميّز الحالة المغربية ليس الكذب فقط، بل الاستمرار فيه رغم انكشافه. فالإصرار على إنكار الحقيقة لا يغيّرها، بل يؤجل فقط لحظة المواجهة. وهذه الأزمة ليست أزمة إعلام فحسب، بل أزمة وعي سياسي وأخلاقي، لأن الاعتراف بالواقع هو الخطوة الأولى لأي حل عادل ودائم.


في النهاية، تبقى الحقيقة قائمة مهما طال إنكارها، ويظل الوهم — مهما بدا مريحًا — عبئًا يثقل كاهل أصحابه، إلى أن يُجبروا يومًا على مواجهته.

✍️MijekMedia

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...