التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بدأ الترويج لسردية أن المغرب في صراع إقليمي مع دول عدة وليس في نزاع مع الجيش الشعبي الصحراوي؟

ظنّ الحسن الثاني، ملك المغرب آنذاك، أن احتلال الصحراء الغربية سيكون لقمة سائغة، غير أنّ الواقع أثبت عكس ذلك؛ فبعد دخول الجيش المغربي إلى الصحراء، وجد نفسه في مواجهة مقاتلين صحراويين تمرّسوا في قسوة الحياة البدوية الصحراوية قبل أن يتلقوا تدريبًا عسكريًا نظاميًا.


لقد أُصيب جنرالات الحسن الثاني، وعلى رأسهم الجنرال الدليمي، بالدهشة من شراسة وشجاعة ومهارة المقاتلين الصحراويين، حتى إن بعضهم ظنّ أن هؤلاء المقاتلين يتعاطون مواد مهلوسة، في تعبير يكشف حجم الصدمة والفارق في التصور العسكري بين الطرفين.


تكبّد الجيش المغربي خسائر بشرية ومادية كبيرة خلال سنوات الحرب، وقورنت تلك الخسائر أحيانًا بما حدث لجيش نابليون في شتاء روسيا، لكن هذه المرة في بيئة الصحراء القاسية. وفي هذه الحرب سقط عشرات الآلاف من الجنود بين قتيل وجريح وأسير، إضافة إلى تدمير عدد كبير من الطائرات والمعدات العسكرية، حتى قُدّر عدد الطائرات المدمّرة بالعشرات، بين طائرات حربية ومروحيات. وقد انعكست هذه الخسائر على المعنويات قبل العتاد، واعتُبرت هزيمةً استراتيجيةً تركت آثارها إلى يومنا هذا.


ومن أبرز محطات الحرب ملحمة القلتة الثانية (13–29 أكتوبر 1981)، التي سبقتها تحضيرات عسكرية دقيقة. فقد تم التخطيط لها لتكون معركة فاصلة، مع استخدام أسلحة وصواريخ وعربات مدرعة بشكل مكثف. وكانت منطقة قلتة زمور مسرحًا لاختبار العديد من الأسلحة التي استُخدمت لاحقًا في معارك أخرى، خاصة ضد الحزام الرملي.


مضادات الطيران قبل ملحمة القلتة الثانية


في المراحل الأولى، امتلك الجيش الشعبي الصحراوي وسائل دفاع جوي بسيطة، مثل رشاشات 23 ملم، و14.5 ملم، ومدافع “شيلكا”، وكان المقاتلون يعتمدون على شجاعتهم وخبرتهم الميدانية في التصدي للطيران المغربي. ورغم بساطة الوسائل، تمكنوا من إسقاط عدد من الطائرات، مما أحدث تأثيرًا نفسيًا واضحًا.


لاحقًا، حصلوا على صواريخ أرض–جو من نوع ستريلا (سام 7)، وهو صاروخ خفيف يُحمل على الكتف، وقد لعب دورًا مهمًا في إسقاط عدد من الطائرات في بدايات استخدامه. غير أن الطيران المغربي حاول التكيّف مع هذا السلاح من خلال تطوير وسائل تشويش ومناورات مضادة.


كما تم إدخال صاروخ سام 9 الأكثر تطورًا، وهو محمول على عربة خاصة، ويتميز بفاعلية أكبر، وقد ساهم بدوره في تعزيز قدرات الدفاع الجوي الصحراوي.


بعد هذه المعارك، سعى الحسن الثاني إلى التقليل من وقع الخسائر عبر الترويج لفكرة أن الجيش المغربي لا يواجه الجيش الشعبي الصحراوي وحده، بل يخوض حربًا ضد عدة دول، من بينها الجزائر وكوبا وغيرها. غير أن هذا الطرح ظلّ عبارة عن كذبة، إذ لم تُقدَّم أدلة موثّقة تثبت مشاركة عسكرية مباشرة لتلك الدول في القتال الميداني.


وتبقى حقيقة النزاع، في جوهرها، صراعًا سياسيًا وعسكريًا حول استقلال الشعب الصحراوي، وشعب يكافح من أجل أرضه وعِرضه، مهما اختلفت الروايات وتباينت السرديات الإعلامية حوله


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...

هل توجد إرادة سياسية حقيقية في المفاوضات بين الدولة الصحراوية والاحتلال المغربي؟

​  هل  توجد إرادة سياسية حقيقية في المفاوضات بين الدولة الصحراوية والاحتلال المغربي؟ يعدّ النزاع في إقليم الصحراء الغربية من أطول النزاعات في القارة الإفريقية، ولا يزال يراوح مكانه رغم تعدد جولات التفاوض والمساعي الأممية. وبينما تتعاقب المبادرات والمقترحات، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: هل توجد إرادة سياسية حقيقية من الأطراف المنخرطة في المفاوضات من أجل حل عادل ونهائي للنزاع، أم أن المسار التفاوضي أصبح مجرد وسيلة لإدارة الأزمة بدل حلها؟ بين  الإيمان بالنصر وواقع الصراع انطلاقًا من عقيدتنا الإسلامية، نؤمن بأن النصر من عند الله، وأنه سبحانه وتعالى قادر على نصر عباده المظلومين، مهما طال الزمن واشتدت المحن. كما نوقن أن النصر لا يُمنح مجانًا، بل يُنتزع بالصبر والثبات والتضحية، وأنه غالبًا ما يأتي بعد لحظات من اليأس والقنوط، حين يظن الناس أن لا مخرج قريب من الأزمة. هذا الإيمان لا يلغي أهمية العمل السياسي والدبلوماسي، بل يعززه، لأن الأخذ بالأسباب جزء من العقيدة نفسها. ومن هنا، فإن التفاوض ليس خيار ضعف، بل أداة من أدوات النضال إذا كان يستند إلى وضوح في الرؤية وثبات في الموقف. الاست...

هل الاحتلال المغربي، في سياق القضية الصحراوية، حسم الأمر فعلاً لصالحه؟

​  بعد أن استنفد الاحتلال المغربي أدواته في فرض وتشريع احتلاله للصحراء الغربية، تُروِّج الدعاية المغربية لفكرة أن القضية قد انتهت («سالات»). لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يتقدّم جنديٌّ واحد خارج حزام الذل والعار؟ ولماذا طلب المغرب الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي، واعترف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وورد اسم الجمهورية واسم رئيسها إبراهيم غالي في الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، ضمن «العدد 6539 مكرر» الصادر بتاريخ 31 يناير 2017، وذلك في سياق نشر القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي بعد انضمام المغرب مجدداً إلى الاتحاد الإفريقي، بتوقيع ظهير ملكي (ظهير رقم 02.17.1) بتاريخ 31 يناير 2017؟ وقد ورد ضمن لائحة رؤساء الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي اسم رئيس أو ممثل الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، سواء بالاسم أو بالترتيب ضمن القائمة، حيث جاء في المرتبة 39 بحسب النسخة المتداولة من الجريدة. ولماذا لجأ الاحتلال المغربي إلى التطبيع العلني مع إسرائيل بعد سنوات من التطبيع غير المعلن؟ للإجابة عن هذه التساؤلات بعيداً عن الدعاية المغربية: لم يتجاوز الجيش الملكي ما يُعرف بحزام ال...