تُعد السياسة الخارجية الإسبانية في عهد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز نموذجاً معقداً للتوازن بين المبادئ الأخلاقية المعلنة والمصالح الجيوسياسية البراغماتية. فمن جهة، برز سانشيز كصوت أوروبي رائد في الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، سواء في دعمه القوي لأوكرانيا ضد الغزو الروسي، أو في موقفه الجريء الداعم للقضية الفلسطينية والمعارض للحرب الإسرائيلية على غزة. ومن جهة أخرى، اتخذت حكومته قرارات براغماتية بحتة، أبرزها التحول التاريخي في الموقف من نزاع الصحراء الغربية لصالح المغرب، وهو تحول يرتبط ارتباطاً وثيقاً بصفقة غير معلنة تُعرف بـ “الصحراء مقابل قاع البحر”.
الموقف من أوكرانيا وفلسطين: رفض ازدواجية المعايير
منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، اتخذت إسبانيا موقفاً حازماً داعماً لكييف. فقد تعهدت مدريد بتقديم مساعدات عسكرية ضخمة لأوكرانيا، بلغت قيمتها مليار يورو لعام 2026 وحده، لتصل القيمة الإجمالية للمساعدات الإسبانية منذ عام 2022 إلى حوالي 4 مليارات يورو ،هذا الدعم القوي يعكس التزام إسبانيا بالدفاع عن سيادة الدول وسلامة أراضيها وفقاً للقانون الدولي.
في المقابل، برز سانشيز كأحد أشد المنتقدين للسياسات الإسرائيلية في قطاع غزة، رافضاً ما وصفه بـ “ازدواجية المعايير” الأوروبية. فقد صرح مراراً بأنه لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يفرض عقوبات صارمة على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا، بينما يقف صامتاً أمام الانتهاكات الإسرائيلية في غزة ولبنان
وقد ترجمت إسبانيا هذا الموقف إلى خطوات عملية غير مسبوقة أوروبياً، شملت:
• الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في مايو 2024.
• الانضمام إلى دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية.
• المطالبة بفسخ اتفاقية الشراكة الأوروبية مع إسرائيل
• حظر بيع الأسلحة لإسرائيل ومنع السفن التي تحمل أسلحة إليها من الرسو في الموانئ الإسبانية.
المواجهة مع الولايات المتحدة: استقلالية القرار السيادي
لم يقتصر تمرد سانشيز على الإجماع الأوروبي الداعم لإسرائيل، بل امتد ليشمل مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. ففي ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، رفضت إسبانيا بشكل قاطع السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية المشتركة على أراضيها (قاعدتي روتا ومورون) لشن أي هجمات ضد إيران
وقد ذهبت مدريد أبعد من ذلك بإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الأمريكية المشاركة في العمليات ضد إيران، في خطوة تؤكد سعي إسبانيا للحفاظ على استقلالية قرارها السيادي وتجنب الانجرار إلى صراعات إقليمية لا تخدم مصالحها
هذا الموقف يعكس أيضاً رفض سانشيز لسياسات الإملاء والضغط التي تمارسها واشنطن، وهو ما تجلى سابقاً في انتقاداته اللاذعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومطالبه بزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
صفقة “الصحراء مقابل قاع البحر”: البراغماتية في أبهى صورها
في تناقض صارخ مع مواقفها المبدئية في أوكرانيا وفلسطين، اتخذت إسبانيا في مارس 2022 قراراً تاريخياً بالتخلي عن موقفها الحيادي التقليدي تجاه نزاع الصحراء الغربية، معلنة دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع
هذا التحول المفاجئ لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة لضغوط مغربية مكثفة، أبرزها أزمة المهاجرين في سبتة عام 2021، حيث سمح المغرب لآلاف المهاجرين بعبور الحدود للضغط على مدريد
ولكن الأهم من ذلك، هو ما يُعرف بصفقة “الصحراء مقابل قاع البحر”.
تتمحور هذه الصفقة غير المعلنة حول مقايضة استراتيجية:
1. تنازل إسبانيا: دعم الموقف المغربي في الصحراء الغربية.
2. تنازل المغرب: تجميد مطالباته التوسعية البحرية التي أقرها في قوانين عام 2020، والتي تتداخل مع المياه الإقليمية لجزر الكناري الإسبانية
هذا التجميد المغربي يمنح إسبانيا وصولاً غير منازع إلى ثروات قاع البحر في حوض الكناري، وتحديداً جبل “تروبيك” البحري، الذي يضم احتياطيات هائلة من الكوبالت والتيلوريوم والمعادن الأرضية النادرة، وهي موارد حيوية للانتقال الطاقي والتكنولوجي الأوروبي
تُظهر السياسة الخارجية الإسبانية في عهد بيدرو سانشيز قدرة فائقة على الموازنة بين الخطاب الأخلاقي العالي والمصالح الوطنية الحيوية. فبينما يرفع سانشيز لواء الدفاع عن القانون الدولي في أوكرانيا وفلسطين، ويتحدى الهيمنة الأمريكية، فإنه لا يتردد في عقد صفقات براغماتية مع المغرب لتأمين الموارد الاستراتيجية وحماية الحدود، حتى لو كان ذلك على حساب مبادئ تقرير المصير التي يدافع عنها في ساحات أخرى. هذا التناقض ليس مجرد نفاق سياسي، بل هو انعكاس لتعقيدات العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، حيث تُباع السيادة وتُشترى، ليس فقط فوق الأرض، بل وتحت قاع المحيط.
تعليقات
إرسال تعليق