
في مارس 2022، أحدث رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز زلزالاً سياسياً حين أعلن دعم إسبانيا لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء الغربية، واصفاً إياها بأنها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع. هذا التحول الجذري أنهى عقوداً من الحياد الإسباني التقليدي ودعمها المعلن لقرارات الأمم المتحدة وحق تقرير المصير للشعب الصحراوي. لكن خلف هذا الإعلان الدبلوماسي تكمن صفقة استراتيجية غير معلنة، تُعرف في الأوساط الجيوسياسية بـ “الصحراء مقابل قاع البحر”. إنها مقايضة صامتة تُباع فيها حقوق شعب بأكمله مقابل تأمين الوصول إلى ثروات معدنية هائلة ترقد في أعماق المحيط الأطلسي.
هندسة الصفقة الصامتة
وفقاً لتقرير معمّق صادر عن مركز التحليل الأمني الأفريقي (African Security Analysis)
في ديسمبر 2025، فإن ما يجري بين المغرب وإسبانيا ليس مجرد إعادة تموضع دبلوماسي أو عملية تطبيع عادية، بل هو “هندسة لصفقة تبادلية” تقوم على ركيزتين أساسيتين: تدعم إسبانيا علناً المطالب المغربية في الصحراء الغربية، وفي المقابل، يُجمّد المغرب بصمت توسعه البحري، مما يمنح إسبانيا وصولاً غير منازع إلى معادن قاع حوض الكناري
يؤكد التقرير أن هذه الصفقة بسيطة في منطقها، ومستحيلة التوقيع رسمياً، لكنها تعمل بالفعل على أرض الواقع. فالصحراء الغربية، التي تمثل حجر الزاوية في عقيدة الأطماع التوسعية المغربية منذ عام 1975، تحولت إلى عملة سياسية. وفي المقابل، أصبحت حقول المعادن في أعماق الكناري، وهي كنز جيولوجي من الكوبالت والتيلوريوم والمعادن النادرة، بمثابة التعويض الاستراتيجي. ويشير التقرير إلى أنه “لا يمكن لأي حكومة أوروبية أن تنجو من توقيع معاهدة تضفي الطابع الرسمي على مثل هذه الصفقة، ومع ذلك تتصرف الرباط ومدريد وكأنها موجودة بالفعل”
جبل “تروبيك”: كنز المحيط الأطلسي
لفهم أبعاد هذه الصفقة، يجب توجيه الأنظار نحو المحيط الأطلسي، وتحديداً إلى مسافة 480 كيلومتراً جنوب غرب جزيرة إل هييرو في جزر الكناري الإسبانية. هناك يقع جبل “تروبيك” البحري، وهو بركان خامد يرتفع من قاع المحيط ويضم في أعماقه واحدة من أكبر الاحتياطيات غير المستغلة للمعادن الاستراتيجية في العالم.
يشير تقرير مركز التحليل الأمني الأفريقي إلى أن هذا الجبل ليس مجرد جيولوجيا نظرية، بل هو أصل استراتيجي ذو تداعيات عالمية، حيث يحتوي على:
• 1-احتياطيات من الكوبالت قادرة على تلبية الطلب الصناعي لعقود.
• 2-تركيزات من التيلوريوم تُعد من بين الأعلى المعروفة على كوكب الأرض، وهي بالغة الأهمية لكفاءة الخلايا الكهروضوئية وإلكترونيات الصواريخ.
• 3/معادن أرضية نادرة لا غنى عنها للسيادة التكنولوجية للاتحاد الأوروبي
بالنسبة لأوروبا، التي أمضت 15 عاماً معتمدة على سلاسل التوريد الصينية، فإن قاع البحر هذا ليس مجرد منطقة ذات قيمة اقتصادية، بل هو مسألة “وجودية”. إسبانيا لا تدافع هنا عن مصالح اقتصادية محلية، بل تحمي شريان حياة قاري في عصر الاستقلالية الاستراتيجية، والمغرب يقع جغرافياً عند مفصل هذا الشريان
الابتزاز المغربي: “المسدس التشريعي”
لم يكن الطريق إلى جبل تروبيك مفروشاً بالورود بالنسبة لإسبانيا. ففي عام 2020، أصدر المغرب قوانين بحرية توسع مياهه الإقليمية ومنطقته الاقتصادية الخالصة لتتداخل مع المطالب البحرية لجزر الكناري. يصف تقرير المركز الأفريقي هذه القوانين بأنها “مسدس تشريعي”، فهي تمت صياغتها، ولم تُفعّل بالكامل، ولم تُلغَ قط. إنها سلاح في الجراب، ورسالتها الضمنية لمدريد واضحة: “حافظوا على موقفكم من الصحراء، وسنحافظ على صمتنا بشأن معادنكم”
ويضيف التقرير أن تحول موقف إسبانيا لم يكن بدافع التعاطف، بل كان قراراً للبقاء مدفوعاً بثلاث مخاوف رئيسية:
١- ندرة الطاقة والاعتماد على المعادن الحرجة،
٢-وزعزعة الاستقرار عبر الهجرة التي استُخدمت مراراً كأداة ضغط، والتهميش الاستراتيجي داخل الاتحاد الأوروبي. النخبة السياسية الإسبانية تدرك قواعد اللعبة: الصحراء هي الخط الأحمر الأول للمغرب، والسيادة البحرية هي الخط الأحمر الثاني، والهجرة هي أداة الإكراه التي تملكها الرباط. لذا، فإن الاعتراف الإسباني ليس توافقاً أيديولوجياً، بل هو “تأمين جيوسياسي تم شراؤه بأقل تكلفة: الكلمات”
النفاق السياسي والضحايا المنسيون
في خضم هذه اللعبة الجيوسياسية الكبرى، يبقى الشعب الصحراوي هو الضحية الأكبر. فمنذ انسحاب إسبانيا عام 1975، ميئات الآلاف من الصحراويين في مخيمات اللجوء، متمسكين بحقهم في تقرير المصير. إن الموقف الإسباني الجديد لا يمثل فقط خيانة لمسؤوليات مدريد التاريخية تجاه مستعمرتها السابقة، بل يكشف عن نفاق سياسي صارخ. ففي الوقت الذي يتغنى فيه سانشيز بالدفاع عن القانون الدولي في أزمات أخرى، فإنه يدير ظهره لمعاناة الصحراويين.
يؤكد تقرير مركز التحليل الأمني الأفريقي أن هناك مجموعتين سكانيتين يتم تجاهلهما هيكلياً في هذه الصفقة: الصحراويون الذين تُرِكوا في طي النسيان السياسي، وسكان جزر الكناري الذين يخشون من الاستخراج في أعماق البحار وانهيار النظام البيئي والتدخل الجيوسياسي. ويخلص التقرير إلى أن “أياً من المجموعتين لن تشكل الصفقة، بل قوة الدولة وحدها هي من سيفعل ذلك”
مستقبل الصفقة
: هشاشة التوازن
يبقى هذا الترتيب الضمني رهيناً بهشاشة بالغة. ففي إسبانيا، لا يزال المجتمع المدني مؤيداً لتقرير المصير، وتتهم المعارضة سانشيز بالاستسلام الجيوسياسي. وفي المغرب، ترغب النخب القومية في تفعيل القوانين البحرية بدلاً من ضبط النفس. ويشير التقرير إلى أن هذا الترتيب “يمكن أن يستمر 20 عاماً أو ينهار في 24 ساعة”
يُقدر المحللون أن الاختبار الحقيقي لهذه الصفقة ليس دبلوماسياً بل صناعياً، وسيبدأ عندما تنطلق عمليات الاستخراج الفعلية لمعادن جبل تروبيك بين عامي 2030 و2032. ويطرح التقرير عدة سيناريوهات، أبرزها “التوازن الاستراتيجي” حيث تحافظ إسبانيا على موقفها من الصحراء ويتجنب المغرب تفعيل منطقته الاقتصادية الخالصة، مما يحقق الاستقرار عبر “الإنكار المتبادل”
حين تُباع السيادة تحت قاع المحيط
تُعد صفقة “الصحراء مقابل قاع البحر” تجسيداً صارخاً للواقعية السياسية في أبشع صورها، حيث تُداس المبادئ تحت وطأة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. لقد اختارت إسبانيا تأمين مستقبلها التكنولوجي والطاقي على حساب مستقبل شعب بأكمله. وكما لخّص تقرير مركز التحليل الأمني الأفريقي هذه المعادلة بمرارة: “هذا ليس تعاوناً. إنها ضرورة سياسية مقنعة في صورة شراكة… في القرن الحادي والعشرين، السيادة تُباع فوق التراب وتحت قاع المحيط على حدٍّ سواء” ✍️Mijekmedia
تعليقات
إرسال تعليق