مقدمة
منذ تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945، كان إنهاء الاستعمار أحد أبرز الأهداف التي سعت المنظمة الدولية لتحقيقها. في ذلك الوقت، كان حوالي 750 مليون شخص - أي ما يقرب من ثلث سكان العالم - يعيشون في أقاليم غير متمتعة بالحكم الذاتي وتخضع لسيطرة قوى استعمارية ،وقد أدركت الأمم المتحدة مبكراً أن السلام والأمن الدوليين لا يمكن أن يتحققا بشكل كامل طالما استمرت الهيمنة الأجنبية واستغلال الشعوب.
تأسست جهود الأمم المتحدة في هذا المجال على مبدأ “المساواة في الحقوق وتقرير المصير للشعوب” المنصوص عليه في المادة
1 (الفقرة 2) من ميثاق الأمم المتحدة ،وقد خصص الميثاق ثلاثة فصول كاملة (الفصول الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر) للتعامل مع مصالح الشعوب التابعة، مما وضع الأساس القانوني والأخلاقي لعملية تصفية الاستعمار .
تاريخ لجنة تصفية الاستعمار (لجنة الـ 24)
شهد عام 1960 نقطة تحول تاريخية في مسيرة تصفية الاستعمار، حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 1514 (د-15) المعروف باسم “إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة” ،أكد هذا الإعلان التاريخي أن إخضاع الشعوب للسيطرة الأجنبية يشكل إنكاراً لحقوق الإنسان الأساسية، ويتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة، ويعيق قضية السلم والتعاون العالميين .
لضمان تنفيذ هذا الإعلان، أنشأت الجمعية العامة في عام 1961، بموجب القرار 1654 (د-16)، “اللجنة الخاصة المعنية بحالة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة”، والتي تُعرف اختصاراً باسم “لجنة تصفية الاستعمار” أو “لجنة الـ 24” (C-24)
بدأت اللجنة عملها في عام 1962 بـ 17 عضواً، وسرعان ما تم توسيعها لتشمل 24 عضواً بحلول نهاية ذلك العام، وهو الرقم الذي استمدت منه اسمها الشائع، على الرغم من أن عدد أعضائها يبلغ حالياً 29 دولة
تتمثل المهمة الرئيسية للجنة في مراقبة تنفيذ إعلان عام 1960، وتقديم التوصيات بشأن تطبيقه. وتقوم اللجنة سنوياً بمراجعة قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتستمع إلى بيانات من ممثلي هذه الأقاليم، وترسل بعثات زائرة إليها، وتنظم ندوات إقليمية لتقييم الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيها .
إنجازات اللجنة: دول نالت استقلالها
منذ إنشاء الأمم المتحدة، نالت أكثر من 80 مستعمرة سابقة استقلالها، وانضمت إلى المجتمع الدولي كدول ذات سيادة ،وقد لعبت لجنة تصفية الاستعمار دوراً محورياً في دعم حركات التحرر الوطني وتسهيل انتقال هذه الأقاليم إلى الاستقلال.
شملت قائمة الأقاليم التي نالت استقلالها دولاً في مختلف قارات العالم. ففي قارة آسيا، نالت إندونيسيا استقلالها عن هولندا في عام 1949، بينما استقلت سنغافورة عن المملكة المتحدة في عام 1965. وفي عام 2002، توجت جهود الأمم المتحدة باستقلال تيمور الشرقية بعد فترة من الإدارة البرتغالية ثم الإندونيسية .
أما في قارة أفريقيا، فقد شهدت عقود الخمسينيات والستينيات موجة واسعة من الاستقلال. استقلت المغرب من الحماية الفرنسية وتونس عن فرنسا في عام 1956، تلتهما غانا التي استقلت عن المملكة المتحدة في عام 1957، وغينيا عن فرنسا في عام 1958. وفي عام 1960، نالت كل من نيجيريا والسنغال والكاميرون استقلالها. وتوالت الاستقلالات لتشمل سيراليون (1961)، والجزائر (1962)، وكينيا (1963)، وزامبيا (1964). وفي السبعينيات والثمانينيات، استقلت أنغولا وموزمبيق عن البرتغال (1975)، وجيبوتي عن فرنسا (1977)، وزيمبابوي عن المملكة المتحدة (1980) .
تُعد حالة ناميبيا من أبرز قصص النجاح للأمم المتحدة في مجال تصفية الاستعمار. فقد أنهت الجمعية العامة انتداب جنوب أفريقيا على الإقليم في عام 1966، وتولت الأمم المتحدة المسؤولية المباشرة عنه حتى نال استقلاله في عام 1990 بعد صراع طويل
وفي مناطق أخرى من العالم، استقلت غيانا عن المملكة المتحدة في عام 1966، وفيجي في عام 1970، وبابوا غينيا الجديدة عن أستراليا في عام 1975، وبليز عن المملكة المتحدة في عام 1981 الأقاليم المتبقية غير المتمتعة بالحكم الذاتي
على الرغم من النجاحات الكبيرة التي تحققت، إلا أن عملية تصفية الاستعمار لم تكتمل بعد. لا يزال هناك 17 إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي مدرجاً على جدول أعمال لجنة الـ 24، ويعيش فيها ما يقرب من مليوني شخص ،تتوزع هذه الأقاليم جغرافياً وتخضع لإدارة أربع قوى رئيسية: المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، فرنسا، ونيوزيلندا.
تدير المملكة المتحدة العدد الأكبر من هذه الأقاليم، والبالغ عددها عشرة أقاليم. تشمل هذه الأقاليم أنغويلا، وبرمودا، وجزر فيرجن البريطانية، وجزر كايمان، ومونتسيرات، وجزر تركس وكايكوس في منطقة الكاريبي والمحيط الأطلسي. كما تدير جزر فوكلاند (مالفيناس) وسانت هيلانة في جنوب المحيط الأطلسي، وجبل طارق في أوروبا، وبيتكيرن في المحيط الهادئ .
أما الولايات المتحدة، فتدير ثلاثة أقاليم هي جزر فيرجن الأمريكية في الكاريبي، وساموا الأمريكية وغوام في المحيط الهادئ. وتدير فرنسا إقليمين في المحيط الهادئ هما بولينيزيا الفرنسية وكاليدونيا الجديدة. في حين تدير نيوزيلندا إقليم توكيلاو في المحيط الهادئ .
بالإضافة إلى ذلك، تُعد الصحراء الغربية الإقليم الوحيد في أفريقيا الذي لا يزال مدرجاً في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهو إقليم متنازع عليه .
قضايا معقدة ومتنازع عليها
تتميز بعض الأقاليم المتبقية بتعقيدات سياسية وقانونية تجعل من عملية تقرير مصيرها تحدياً مستمراً:
تُعد الصحراء الغربية من أبرز هذه القضايا، حيث تم احتلالها من المغرب بعد تسعة عشرا سنة بعد ما يعرف باستقلاله ، وتواصل الأمم المتحدة جهودها للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول للطرفين يكفل لشعب الصحراء الغربية تقرير مصيره .
وفي جنوب المحيط الأطلسي، تخضع جزر فوكلاند (مالفيناس) لإدارة المملكة المتحدة، لكنها موضع نزاع سيادي طويل الأمد مع الأرجنتين. وتدعو الأمم المتحدة باستمرار كلا البلدين إلى استئناف المفاوضات لإيجاد حل سلمي للنزاع .
أما في أوروبا، فيخضع جبل طارق لإدارة المملكة المتحدة بينما تطالب إسبانيا باستعادته. تعتبر إسبانيا أن استمرار الوجود البريطاني يمثل انتهاكاً لسلامة أراضيها، بينما تؤكد المملكة المتحدة على حق سكان جبل طارق في تقرير مصيرهم
وفي المحيط الهادئ، شهد إقليم كاليدونيا الجديدة الفرنسي ثلاثة استفتاءات على الاستقلال بين عامي 2018 و2021 بموجب اتفاق نوميا. ورغم أن النتائج جاءت لصالح البقاء ضمن الجمهورية الفرنسية، إلا أن التوترات السياسية لا تزال قائمة، خاصة مع مقاطعة الاستفتاء الأخير من قبل المؤيدين للاستقلال .
لقد حققت الأمم المتحدة، من خلال لجنة تصفية الاستعمار، إنجازات تاريخية غيرت خريطة العالم السياسية وأنهت حقبة طويلة من الهيمنة الاستعمارية. ومع ذلك، فإن بقاء 17 إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي يذكرنا بأن المهمة لم تنجز بعد. يتطلب استكمال هذه المسيرة التزاماً مستمراً من المجتمع الدولي، وحواراً بناءً بين القوى المديرة وشعوب تلك الأقاليم، لضمان ممارسة حقهم غير القابل للتصرف في تقرير المصير وفقاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
تعليقات
إرسال تعليق