أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع.
وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين.
الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق
تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية
في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيارة العيون، وهي تحت الإدارة المغربية، ، إذ يُسهم في “تطبيع” الوجود المغربي في المناطق المحتلة من خلال إضفاء شرعية دينية غير مباشرة عليه، أو على الأقل، تحييد أحد أبرز الأصوات التي كانت تنتقده بشدة.
دق إسفين بين الشعبين: الهدف الاستراتيجي
تاريخياً، ترتبط موريتانيا والصحراء الغربية بوشائج عميقة تتجاوز الجغرافيا لتشمل الدم، والنسب، والثقافة الحسانية المشتركة. فالشعبان يمثلان امتداداً اجتماعياً لبعضهما البعض، وكثيراً ما كانت هذه الروابط عصية على محاولات التفكيك
من هنا، يبرز الهدف الأساسي من استدراج ولد الددو: دق إسفين بين الشعب الصحراوي والشعب الموريتاني. كيف يتحقق ذلك؟
1. إثارة الشكوك الصحراوية: عندما يرى الصحراويون شخصية موريتانية بوزن ولد الددو والذي طالما اعتبروه نصيراً لحقوقهم ، يزور العيون تحت مظلة الاحتلال المغربي، فإن ذلك يولد شعوراً بالخذلان . هذا الشعور يغذي حملات التشكيك في الموقف الموريتاني الشعبي الداعم للصحراويين.
.
3. تسليط الضوء على التناقضات: تهدف الزيارة إلى إجبار ولد الددو على مواجهة مواقفه السابقة. ففي عام 2020، صرّح بأن “منح ترامب الصحراء للمغرب كمنح أرض على القمر” ،وجوده اليوم في العيون يُسلط الضوء على هذا التناقض، مما يضعف مصداقيته من جهة، ويُظهر المغرب بمظهر القوة القادرة على ترويض أشرس منتقديها من جهة أخرى.
.استقطاب شخصيات موريتانية وازنة لزيارة المناطق المحتلة من الصحراء الغربية هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى خلق رأي عام موريتاني (أو نخبة مؤثرة) يتقبل الأمر الواقع المغربي في الصحراء. وعندما يتم ذلك عبر بوابة الدين والعلماء، فإنه يكتسب حصانة ضد الانتقادات السياسية المباشرة.
: فخ ناجح أم خطأ في الحسابات؟
سواء كان الشيخ ولد الددو يدرك الأبعاد السياسية لزيارته أم أنه انطلق من نوايا دعوية واجتماعية بحتة، فإن النتيجة الموضوعية هي أنه سقط في فخ سياسي مُحكم.
لقد نجحت هذه الخطوة في إثارة زوبعة من الشكوك بين الصحراويين والموريتانيين، وسلطت الضوء بقسوة على مواقف الشيخ السابقة لتفريغها من محتواها. إنها رسالة واضحة بأن الصراع في الصحراء الغربية لم يعد يقتصر على الخنادق العسكرية أو أروقة الأمم المتحدة، بل امتد ليشمل حرباً ناعمة تُستخدم فيها العمائم والمنابر كأدوات استراتيجية لتفكيك التحالفات التاريخية وتغيير قناعات الشعوب.
تعليقات
إرسال تعليق