التقدم خارج الحزام تقييم لهزيمة استراتيجية عبر 16 عامًا من المواجهة وانعكاساتها على الجيش الملكي المغربي
مقدمة
يُعد النزاع في الصحراء الغربية واحداً من أطول النزاعات في القارة الإفريقية، وقد شهدت ساحات المعارك فيه تحولات استراتيجية وتكتيكية عميقة. ولعل أبرز هذه التحولات هو لجوء الجيش الملكي المغربي إلى بناء “الجدار الرملي” (أو الجدار الأمني كما يُطلق عليه رسمياً في المغرب)، والتخندق خلفه. للإجابة عن التساؤلات حول أسباب بقاء القوات المغربية خلف هذا الجدار وعدم خروجها لمواجهات مفتوحة، لا بد من قراءة تاريخية متأنية لمسار الحرب منذ بداياتها، وتقييم الأداء الميداني للطرفين: الجيش الملكي المغربي وجيش التحرير الشعبي الصحراوي.
البدايات: حسابات خاطئة ومفاجآت ميدانية
في بداية الصراع، وتحديداً بعد انسحاب الإدارة الإسبانية منتصف السبعينيات، ساد اعتقاد لدى الجنرالات، وعلى رأسهم الملك المقبور الحسن الثاني، بأن السيطرة العسكرية على الصحراء الغربية ستكون بمثابة “نزهة عسكرية” لن تستغرق سوى أسابيع قليلة. وفي السياق ذاته، انخرط الرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد داداه في الصراع بناءً على تقديرات مشابهة تفيد بأن الصحراويين لن يصمدوا طويلاً أمام الجيوش النظامية.
غير أن الواقع الميداني سرعان ما كشف عن حسابات خاطئة؛ فقد تفاجأت القيادات العسكرية المغربية بالبسالة والشجاعة والمهارات القتالية العالية التي أظهرها مقاتلو جيش التحرير الشعبي الصحراوي. اعتمد الصحراويون على تكتيكات حرب العصابات، والسرعة في الحركة، والمعرفة الدقيقة بتضاريس الصحراء القاسية، مما مكنهم من توجيه ضربات مدمرة للقوات النظامية.
وفي هذا السياق، تشير بعض التصريحات، ومنها تصريح لوزير الدفاع الصحراوي السابق محمد لمين ولد البهالي، إلى أن قصف مخيمات اللاجئين في “أم أدريكة” باستخدام أسلحة محرمة دولياً كالفوسفور الأبيض والنابالم، كان بمثابة رد فعل انتقامي على الخسائر الميدانية المتتالية التي تكبدتها القوات المغربية في المعارك المفتوحة.
حرب العصابات وخسائر الجيش المغربي
توالت المواجهات العسكرية، وشهدت الصحراء الغربية ملاحم بطولية ومعارك طاحنة قُدرت بأكثر من 3000 معركة خلال ستة عشر عاماً في مختلف الجبهات (مثل معارك الوركزيز، المحبس، أمغالا، وقلتة زمور) وغيرها. وفي خضم هذه الملاحم البطولية، تمكن الجيش الصحراوي من أسر أعداد كبيرة من الجنود والضباط المغاربة (أكثر من 4500 أسير)، وتكبيد القوات المغربية خسائر فادحة في الأرواح (حوالي 39000 قتيل) ومليارات الدولارات.
تشير الوثائق التي رُفعت عنها السرية من طرف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) إلى أن الجيش الملكي المغربي وصل إلى حالة من الإنهاك الشديد بحلول بداية الثمانينيات، أي بعد سنوات قليلة من اندلاع الحرب. هذا الإنهاك كان نتيجة مباشرة لحرب العصابات التي فرضها الجيش الصحراوي، والتي جعلت من المستحيل على القوات المغربية السيطرة على مساحات شاسعة ومفتوحة.
حزام الذل والهزيمة: الحل الاستراتيجي الأخير
أمام هذا المأزق العسكري، وتأكُّد القيادة المغربية من صعوبة حسم المعركة في الميدان المفتوح، لجأ الملك الحسن الثاني إلى حلفائه الدوليين للبحث عن مخرج. وبعد مشاورات مكثفة، تبلورت خطة استراتيجية تتمثل في بناء جدار دفاعي طويل يقسم الأراضي الصحراوية.
وقد اعتمد بناء هذا الجدار على تضافر جهود دولية متعددة؛ فمن ناحية الهندسة والتخطيط، تشير العديد من المصادر إلى الاستعانة بخبرات هندسية وعسكرية أجنبية، بما في ذلك استشارات إسرائيلية متخصصة في بناء التحصينات الدفاعية. أما على صعيد التمويل، فقد تكفلت دول خليجية بتقديم دعم مالي ضخم لتغطية التكاليف الباهظة للمشروع. وفيما يخص التكنولوجيا والمعدات، وفرت الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا تكنولوجيا متطورة شملت رادارات أرضية، وأجهزة استشعار زلزالية، ومعدات مراقبة ليلية لرصد أي تحركات للجيش الصحراوي.
سخّر المغرب كافة إمكانياته الجوية والبرية لإكمال هذا الجدار الذي امتد لآلاف الكيلومترات (2720 كلم)، وكلف بناؤه أموالاً طائلة وأرواحاً كثيرة، ليُستكمل بناؤه في مراحله النهائية عام 1987.
التخندق والعقدة العسكرية
بعد استكمال بناء الجدار، تخندق الجيش الملكي المغربي المنهك خلف هذه التحصينات. لقد شكل الجدار حلاً دفاعياً لوقف نزيف الخسائر اليومية، لكنه في الوقت ذاته مثّل، من منظور استراتيجي، إقراراً بالهزيمة وبالعجز عن مواجهة الجيش الصحراوي في حرب متحركة ومفتوحة.
هذا التخندق خلق ما يمكن وصفه بـ “العقدة العسكرية”؛ فالجيش المغربي بات يعتمد كلياً على التحصينات، وحقول الألغام (التي تُعد الأطول في العالم)، والرادارات، وتجنب الخروج من خلف الجدار لأي مواجهة مباشرة. وقد استمر هذا الوضع حتى بعد استئناف الكفاح المسلح في 13 نوفمبر 2020، إثر أحداث الكركرات، حيث اقتصرت العمليات العسكرية المغربية في الغالب على الرد المدفعي أو استخدام الطائرات المسيرة (الدرونز) من خلف الجدار، دون تنفيذ عمليات توغل برية خارج نطاق التحصينات. وذلك يعكس أن الجيش الملكي لا يزال يعاني من تداعيات هزيمة استراتيجية إلى يومنا هذا.
إن بقاء الجيش المغربي خلف الجدار الرملي ليس مجرد خيار تكتيكي عابر، بل هو نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية من المواجهات العسكرية التي أثبتت فيها حرب العصابات والاستنزاف تفوقها على الجيوش النظامية في البيئة الصحراوية. لقد تحول الجدار من مجرد حاجز رملي إلى رمز لحالة من الجمود العسكري، وشاهداً إلى الأبد على هزيمة الجيش الملكي، حيث يفضل الجيش المغربي البقاء في وضع دفاعي محصن لتجنب تكرار خسائر الماضي، في حين يواصل الجيش الصحراوي استراتيجيته في الاستنزاف المستمر إلى انتزاع الاستقلال التام✍️MijekMedia
تعليقات
إرسال تعليق