التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سرّ الصمود في غزة: ما الذي غاب عن الحسابات الإسرائيلية

 ليس من السهل اختزال ما جرى في سبب واحد أو عامل منفرد، فالمشهد في غزة أعقد من ذلك بكثير، وتتشابك فيه عوامل متعددة شكّلت، في مجموعها، بيئة صعبة أمام العمل الاستخباراتي، وأسهمت في إخفاق إسرائيل، ومن ورائها العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أمام نموذج فريد من الصمود والمقاومة تمثّله غزة.


من أبرز هذه العوامل سلاح الأنفاق، الذي لم يعد مجرد وسيلة عسكرية تقليدية، بل تحوّل إلى عنصر استراتيجي محوري، مكّن من خلق واقع ميداني مختلف، يقوم على الحركة الخفية، والمناورة المستمرة، وتجاوز وسائل الرصد والمراقبة المتطورة. لقد وفّرت هذه الأنفاق عمقاً غير مرئي، أربك الحسابات، وقلّل من فاعلية التفوق التكنولوجي.


وإلى جانب ذلك، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو الفهم العميق للعدو؛ فمعرفة كيفية تفكيره، وآليات عمله، وطبيعة مخططاته الأمنية والاستخباراتية، منحت قدرة على التكيّف والمواجهة بذكاء. ولم يقتصر الأمر على الفهم، بل امتد إلى الإبداع في ابتكار أساليب آمنة ومرنة للتعامل مع هذه التحديات، بما يحدّ من الاختراق ويعزّز من الصمود.


غير أن العامل الأهم، الذي يشكّل الأساس الذي تقوم عليه كل هذه العناصر، هو التربية العقائدية القرآنية الراسخة في نفوس أهل غزة. هذه التربية، التي تمتد من الصغار إلى الشيوخ، لا تقتصر على البعد الروحي فحسب، بل تنعكس في السلوك والانضباط، وفي القدرة على التحمّل والثبات في وجه الظروف القاسية.


ومن هنا، يمكن القول إن سرّ الصمود في غزة لا يكمن في عامل واحد، بل في تلاقي هذه العناصر وتكاملها، وفق معادلة واضحة تتجلى في:


التربية العقائدية + معرفة العدو + الأنفاق.


وهذه المعادلة، في مجملها، هي التي أسهمت في تشكيل حالة من الصمود المعقّد، الذي يصعب كسره أو احتواؤه بالوسائل التقليدية وحدها، ويجعل من غزة نموذجاً استثنائياً في فهم طبيعة الصراعات غير المتكافئة


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...

حقوقيون “فوتوشوب”: صناعة مغربية لتشويه النضال الصحراوي

​  حقوقيون  “فوتوشوب”: صناعة مغربية لتشويه النضال الصحراوي في سعيٍ متواصل لتشويه كفاح الشعب الصحراوي وإرباك الرأي العام الدولي، يلجأ الاحتلال المغربي منذ سنوات إلى  حملات دعائية مضلِّلة  تهدف إلى خلط الأوراق وتزييف الحقائق. وقد كشفت تقارير إعلامية، من بينها مصادر إسبانية، أن المخابرات المغربية  أرسلت مجموعة إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين ، ليتضح لاحقًا أن الأمر كان  خطة ممنهجة لإنتاج ما يمكن تسميته بـ  “حقوقيين فوتوشوب”  — شخصيات تُفبرك سيرتها الحقوقية وتُقدَّم إلى المنظمات الدولية على أنهم  معتقلون سياسيون سابقون لدى جبهة البوليساريو ، بغرض ضرب مصداقية النشطاء الحقيقيين وتشويه نضالهم. وقد  استغلت مجموعة يقودها المدعو الفاضل بريكة، ومولاي أبا بوزيد والمعروف على وسائل التواصل الاجتماعي باسم “زيدان” ، هامش الحريات في مخيمات اللاجئين الصحراويين لتنظيم  وقفات ومظاهرات تحمل شعارات مبطنة ، خُطِّط لها بعناية لتبدو وكأنها  تحركات احتجاجية مستقلة . غير أن التقارير الإسبانية تؤكد أن هذه المجموعة  جُنِّدت من طرف جهاز المخابرات المغرب...