ليس من السهل اختزال ما جرى في سبب واحد أو عامل منفرد، فالمشهد في غزة أعقد من ذلك بكثير، وتتشابك فيه عوامل متعددة شكّلت، في مجموعها، بيئة صعبة أمام العمل الاستخباراتي، وأسهمت في إخفاق إسرائيل، ومن ورائها العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أمام نموذج فريد من الصمود والمقاومة تمثّله غزة.
من أبرز هذه العوامل سلاح الأنفاق، الذي لم يعد مجرد وسيلة عسكرية تقليدية، بل تحوّل إلى عنصر استراتيجي محوري، مكّن من خلق واقع ميداني مختلف، يقوم على الحركة الخفية، والمناورة المستمرة، وتجاوز وسائل الرصد والمراقبة المتطورة. لقد وفّرت هذه الأنفاق عمقاً غير مرئي، أربك الحسابات، وقلّل من فاعلية التفوق التكنولوجي.
وإلى جانب ذلك، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو الفهم العميق للعدو؛ فمعرفة كيفية تفكيره، وآليات عمله، وطبيعة مخططاته الأمنية والاستخباراتية، منحت قدرة على التكيّف والمواجهة بذكاء. ولم يقتصر الأمر على الفهم، بل امتد إلى الإبداع في ابتكار أساليب آمنة ومرنة للتعامل مع هذه التحديات، بما يحدّ من الاختراق ويعزّز من الصمود.
غير أن العامل الأهم، الذي يشكّل الأساس الذي تقوم عليه كل هذه العناصر، هو التربية العقائدية القرآنية الراسخة في نفوس أهل غزة. هذه التربية، التي تمتد من الصغار إلى الشيوخ، لا تقتصر على البعد الروحي فحسب، بل تنعكس في السلوك والانضباط، وفي القدرة على التحمّل والثبات في وجه الظروف القاسية.
ومن هنا، يمكن القول إن سرّ الصمود في غزة لا يكمن في عامل واحد، بل في تلاقي هذه العناصر وتكاملها، وفق معادلة واضحة تتجلى في:
التربية العقائدية + معرفة العدو + الأنفاق.
وهذه المعادلة، في مجملها، هي التي أسهمت في تشكيل حالة من الصمود المعقّد، الذي يصعب كسره أو احتواؤه بالوسائل التقليدية وحدها، ويجعل من غزة نموذجاً استثنائياً في فهم طبيعة الصراعات غير المتكافئة
تعليقات
إرسال تعليق