يواصل الاحتلال المغربي في المرحلة الأخيرة تكثيف جهوده لتشريع احتلاله غير القانوني للصحراء الغربية، عبر أدوات متعددة، أهمها الإعلام الموجَّه. فبعد أن فشلت القوة العسكرية والضغوط السياسية في فرض الأمر الواقع، اتجه النظام المغربي نحو حرب دعائية منظمة تهدف إلى تسويق مقترح “الحكم الذاتي” كحلٍّ نهائي، وتلميع صورته أمام الرأي العام الدولي
الإعلام كأداة استعمار جديدة
أسّس الاحتلال المغربي شبكة واسعة من العملاء الإعلاميين المدفوعي الأجر، إضافة إلى نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي يعملون على ترويج الرواية المغربية وتشويه نضال الشعب الصحراوي. وتلعب بعض القنوات والوسائل الإعلامية دورًا بارزًا في هذه الحملة، من بينها قناة العربية، وقناة الحدث، وقناة الجزيرة، وقناة فرانس 24، والإذاعة الألمانية دويتشه فيله (DW عربية)، وأدواتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب غيرهم من المنابر الإعلامية الأخرى.
هذه المنصات، رغم اختلاف توجهاتها الظاهرية، تشترك في نقطة واحدة: دعم السردية الرسمية المغربية بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر انتقاء الأخبار، وتهميش الصوت الصحراوي الحر، وتقديم الاحتلال كأمرٍ واقع لا مفرّ منه. وفي هذا السياق، تؤكد تقارير دولية أن النظام المغربي يمارس حملات دعائية وحربًا نفسية لتزييف الحقائق والترويج لأطروحاته الاستعمارية في الصحراء الغربية
التعتيم الإعلامي وطرد الصحفيين
إلى جانب الدعاية الموجهة، يفرض الاحتلال المغربي تعتيمًا إعلاميًا صارمًا على الأراضي الصحراوية المحتلة. فقد وثقت منظمات دولية، مثل “مراسلون بلا حدود” واللجنة الدولية لحماية الصحفيين، سياسة ممنهجة لطرد المراقبين والصحفيين الأجانب الذين يحاولون دخول الصحراء الغربية لتغطية الأحداث بموضوعية
وفي هذا الصدد، أدانت منظمة “مراسلون بلا حدود” بشدة طرد الصحفيين الأجانب، ووصفت الصحراء الغربية بأنها “ثقب أسود إخباري” نتيجة للرقابة الصارمة المفروضة هناك. كما دعت “اللجنة الدولية لحماية الصحفيين” السلطات المغربية إلى التوقف الفوري عن قمع التغطية الإعلامية المستقلة القادمة من الأراضي المحتلة. من جهته، وثّق “مرصد حماية المدافعين عن حقوق الإنسان” طرد مئات المراقبين الدوليين والصحفيين منذ عام 2014، في خطوة واضحة لمنع توثيق الانتهاكات المستمرة ونقل الصورة الحقيقية للعالم.
تحالف الأنظمة الوظيفية
التحالف الإعلامي القائم اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو استمرار لما صنعه الاستعمار الأوروبي منذ القرن الماضي. فأنظمة عديدة في المنطقة وُجدت لخدمة مصالح القوى الكبرى، لتكون بمثابة مسمارٍ في خاصرة الأمة العربية والإسلامية. أما الجديد في المرحلة الحالية فهو حجم التنسيق وتبادل الأدوار بين هذه المؤسسات الإعلامية لتزييف الحقائق وتوجيه الرأي العام بما يخدم مصالح الاحتلال.
من القوة إلى الكلمة: فشل الخيارات العسكرية
بعد أن استنفد الاحتلال المغربي كل أدواته العسكرية والسياسية، وجد في الإعلام وسيلته الأخيرة لتثبيت احتلاله. فشل في فرض الأمر الواقع بالسلاح، وفشل في إقناع الأمم المتحدة بشرعية وجوده، حيث لا تزال الأمم المتحدة تعتبر الصحراء الغربية إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي وتؤكد على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير
“أدرجت الصحراء الغربية في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ عام 1963… وتؤكد قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة على حق شعب الصحراء الغربية في تقرير مصيره.”
أمام هذا الفشل الدبلوماسي والسياسي، انتقل الاحتلال إلى المعركة الناعمة: معركة الصورة والمعلومة، محاولًا كسب التعاطف الدولي عبر خطاب “الاستقرار والتنمية”، بينما الحقيقة على الأرض تقول عكس ذلك تمامًا، حيث تستمر الانتهاكات الحقوقية ونهب الثروات الطبيعية.
التاريخ لا يرحم: إرادة لا تنكسر
لقد أثبت التاريخ أن الشعب الصحراوي عصيٌّ على الكسر، وأن إرادته أقوى من كل التحالفات. فلو كانت فرنسا أو أمريكا قادرتين على فرض الاحتلال، لنجحتا في ذلك عام 1975، يوم اقتحمت الجيوش المغربية أرض الصحراء الغربية بدعمٍ غربيٍّ سافر. غير أن الشعب الصحراوي أثبت عبر العقود أنه قادر على انتزاع حقه رغم المؤامرات الدولية.
إن الشعب الصحراوي، رغم كل هذا التحالف الإعلامي والسياسي، ماضٍ في طريقه نحو الحرية والاستقلال. سيظل صامدًا كما كان، مؤمنًا بأن النصر ليس بعدد الحلفاء ولا بقوة السلاح، بل بالإيمان بعدالة قضيته، وبالثقة في نفسه والله تعالى.
تعليقات
إرسال تعليق