مقدمة: حين يكون الجرح أعمق من المظهر
حين يتحدث المغاربة عن أزمات بلادهم، كثيراً ما تنصبّ الأنظار على المظاهر الجزئية: ارتفاع الأسعار، وتردّي التعليم، وتفشّي البطالة، والتطبيع مع إسرائيل. غير أن هذه المظاهر ليست سوى أعراض لداء أعمق وأكثر تجذراً في بنية الدولة المغربية. إنَّ جوهر المشكل لا يكمن في مظاهر التطبيع فحسب، بل في طبيعة النظام السياسي القائم المعروف بـ”المخزن”، الذي يمسك بخيوط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويوجّهها بما يخدم مصالحه الضيقة على حساب مصلحة الشعب والوطن.
إنَّ فهم جوهر الأزمة المغربية يستلزم قراءة تحليلية تتجاوز السطح، وتنفذ إلى بنية السلطة وطريقة اشتغالها، وكيف تُفرز هذه البنية أزماتٍ متتالية تُعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل. فالحرية الحقيقية لا تُوهَب، بل تُنتَزَع بالتضحيات، في فلسطين، وفي المغرب، وفي الصحراء الغربية. فالحرية لا تُشترى بالوعود، ولا تُكتسب بالشعارات، بل تُنال بالنضال الواعي والمستمر من أجل الكرامة والعدالة.
أولاً: المخزن — تشريح نظام عريق
1.1 النشأة التاريخية والتطور المفاهيمي
يمتد مفهوم “المخزن” في التاريخ المغربي إلى قرون طويلة. فقد ارتبط هذا المصطلح في البداية بالخزينة المالية للدولة في عهد الخلافة العباسية، قبل أن يتطور ليشمل منظومة الحكم بأسرها. وفي كتابه “مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب”، يُبيّن الكاتب محمد جادور أن المخزن ارتبط تاريخياً بالجيش وجمع الضرائب ونظام إداري مبني على “العرف القانوني”، يأتي فيه السلطان على رأس القمة، ويكون في خدمته الباشاوات والقياد
اختزل السكان مفهوم المخزن في حضور السلطان، ودوام حكمه، وعدّوه مصدراً للأمن والاستقرار.”
ومن خلال هذا الترابط الشعبي التاريخي، اكتسب المخزن قوته الوجودية، إذ سعى السلاطين في كل مرة إلى الحرص على جولات في المدن وتسجيل حضورهم بجانب السكان، وتحوّلت هذه الطقوس إلى تقليد متوارث يُكرّس الشرعية الرمزية للسلطة .
1/ المخزن في العصر الحديث: استبداد بوجه ديمقراطي
إنَّ ما يُميّز النظام المخزني في عصرنا الراهن هو قدرته الفائقة على التكيّف مع المتغيرات الدولية مع الحفاظ على جوهره الاستبدادي. فالمغرب يمتلك دستوراً وبرلماناً وأحزاباً سياسية متعددة، غير أن هذه المؤسسات تعمل في إطار ما يصفه الباحثون بـ”التعددية الاستبدادية”، حيث تحتفظ الملكية بالسلطة الفعلية المطلقة رغم الواجهة الديمقراطية .
فعلى الرغم من وجود دستور يضمن حقوق المواطنين نظرياً، إلا أن هناك قوانين تُجرّم انتقاد الملكية والمؤسسات. ورغم التعددية الحزبية والانتخابات الدورية، تظل الهيمنة الفعلية للديوان الملكي على القرار الاستراتيجي. كما أن القضاء المستقل نظرياً يقابله واقع من المحاكمات السياسية التي تفتقر إلى ضمانات العدالة، وحرية الصحافة المعلنة تتناقض مع ملاحقة الصحفيين والناشطين الرقميين.
ثانياً: الأزمة الاقتصادية — ثمرة النظام الريعي
2- الفساد وتضارب المصالح
إنَّ الاقتصاد المغربي يعاني من طبيعة ريعية متجذّرة، يسود فيها الفساد والاحتكار وانتهاز الفرص من لدن الجهات السياسية النافذة، وتنتفي فيها مقوّمات المنافسة الحرة، في ظل نظام سلطوي ينعدم فيه الفصل بين السلطة والثروة . وقد رصد استطلاع الباروميتر العربي لعام 2024 أن 74% من المغاربة يعتبرون أن الفساد منتشر في مؤسسات الدولة بدرجة كبيرة .
ومن أبرز تجليات هذا الفساد البنيوي أن مجلس النواب المغربي وثّق في تقرير رسمي استحواذ شركة تعود ملكيتها لرئيس الحكومة على أرباح غير مشروعة بعد قرار رفع الدعم عن المواد البترولية، دون أن يُفتح أي تحقيق قضائي في الموضوع
وهذا النموذج يكشف بجلاء كيف تتداخل السلطة السياسية مع الثروة الاقتصادية في غياب تام للمحاسبة.
3- الفقر والهشاشة الاجتماعية
تُظهر الأرقام الرسمية حجم الأزمة الاجتماعية بوضوح: فقد صرّح 82.5% من الأسر المغربية بتدهور مستوى المعيشة خلال اثني عشر شهراً، ولم يتجاوز معدل الأسر التي استطاعت ادخار جزء من مداخيلها سوى 1.8% .كما أفاد 63% من المستجوبين بأن طعامهم ينفد قبل نهاية الشهر، وهي نسبة ارتفعت بشكل حاد من 36% في عام 2022 .
يرى الخبير الاقتصادي فؤاد عبد المومني أن أصول الأزمة الاقتصادية والاجتماعية هي نتيجة “النهب والفساد والمحسوبية وسباق التسلح ونزاع الصحراء الغربية والتكلفة الباهظة للنظام الملكي ونخبه” .
ثالثاً: الحرية المقيّدة — ملاحقة الأصوات الحرة
تجريم المعارضة السلمية
إنَّ ما يُميّز الأنظمة الاستبدادية هو خوفها من الكلمة الحرة. فالقانون المغربي يُجرّم انتقاد الإسلام وشرعية الملكية ومؤسسات الدولة .مما يُضيّق هامش التعبير ويحوّل النقد المشروع إلى جريمة يعاقب عليها القانون. وقد رصدت منظمات حقوق الإنسان الدولية موجة من الملاحقات القضائية ضد الناشطين والصحفيين والمدونين الذين جاهروا بانتقاد السياسات الرسمية .
وتجسّد قضية الناشط ناصر الزفزافي، أحد قادة حراك الريف، نموذجاً صارخاً لهذا النهج، إذ اعتُقل وصدر بحقه حكم بالسجن لسنوات طويلة في محاكمة وصفتها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بأنها “افتقرت إلى شروط العدالة” وكذب مخيم كديم يزيك في المناطق الصحراوية المحتلة .
هجرة الشباب: التصويت بالأقدام
إنَّ أبلغ تعبير عن يأس الشباب المغربي من آفاق التغيير هو الهجرة. فقد كشف استطلاع الباروميتر العربي لعام 2024 أن 55% من المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يفكرون في الهجرة خارج البلاد، بفعل العوامل الاقتصادية والسياسية وغياب الفرص، إلى جانب انتشار الفساد ،وهذا النزيف البشري يُجسّد الفشل الحقيقي لنظام يُقصي أبناءه ويدفعهم إلى البحث عن كرامتهم في بلاد الغربة.
رابعاً: الصحراء الغربية — جرح مفتوح
إنَّ قضية الصحراء الغربية ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي مرآة تعكس طبيعة النظام المخزني وأسلوبه في التعامل مع الشعوب. فالشعب الصحراوي يواجه أشكالاً متعددة من التمييز في مجالات حيوية، من بينها السكن والتعليم والرعاية الصحية ،في حين تُستنزف ثرواته الطبيعية من فوسفات وثروة سمكية لصالح النخب الحاكمة والشركات الأجنبية.
إنَّ هذا النظام نفسه يقف وراء تشريد الشعب الصحراوي وحرمانه من حقه في الكرامة والعيش الآمن، وهو يمارس ازدواجية فاضحة بين ما يُعلَن من شعارات وما يُنفّذ على أرض الواقع.
خامساً: التبعية والنفوذ الأجنبي
ولا يخدعنّكم القول إن المغرب نال استقلاله، فالمغرب لا يزال يعاني من أشكال متعددة من التبعية؛ من الاستعمار الفرنسي القديم الذي أرسى بنيةً اقتصاديةً وإداريةً لا تزال تُلقي بظلالها على الواقع، إلى اللوبيات الاقتصادية والسياسية الأجنبية التي تُوجّه القرارات الكبرى. وقد أضاف التطبيع مع إسرائيل في ديسمبر 2020 بُعداً جديداً لهذه التبعية، إذ يرى المنتقدون أنه يفتح الباب أمام نفوذ يتغلغل في مفاصل القرار السياسي والأمني .
إنَّ هذه الوقائع ليست نظريات مؤامرة، بل حقائق موثّقة تعكسها تفاصيل الحياة اليومية للمواطن المغربي، من السياسات الاقتصادية التي تخدم مصالح الشركات الأجنبية، إلى التوجهات الأمنية والسياسية التي تُملى من خارج الحدود.
سادساً: نحو وعي تحرري . الطريق الصعب
وهم الإصلاح الجزئي
إنَّ المطالبة بإصلاح التعليم والصحة والقضاء، أو إيقاف التطبيع، دون معالجة جوهر المشكل السياسي، ليست سوى خداع للذات
فأصل الداء هو النظام نفسه، الذي يُفرز كل هذه الأزمات ويُعيد إنتاجها. إنَّ الأنظمة الاستبدادية تمتلك قدرة فائقة على استيعاب المطالب الجزئية وتوظيفها لإطالة عمرها، بينما تبقى البنية الأساسية للسلطة سليمةً بمنأى عن أي تغيير حقيقي.
الوعي شرط التحرر
إنَّ التحرر لا يبدأ من الشعارات، بل من الوعي بعمق المشكل، والإصرار على بناء نظام عادل يُعبّر عن إرادة الشعب، ويضع كرامة الإنسان في صدارة الأولويات. وهذا الوعي يستلزم:
أولاً،
فهم بنية السلطة وكيفية اشتغالها، وعدم الاكتفاء بانتقاد المظاهر السطحية
. ثانياً
، بناء تضامن شعبي يتجاوز الانتماءات الضيقة ويجمع المغاربة حول مطالب الكرامة والعدالة
. ثالثاً،
الإصرار على المحاسبة وعدم القبول بالإفلات من العقاب الذي يُكرّس ثقافة الفساد.
رابعاً،
الانفتاح على التجارب الإنسانية في النضال من أجل الحرية، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والهوية الحضارية واعلموا أنَّ الحرية والتحرر ثمنهما غالٍ، ولن يمنحكم المخزن حقوقكم طوعًا، لأن الأنظمة الاستبدادية لا تُقدّم الحرية إلا حين تُنتزع منها انتزاعًا. فالبيداية من الوعي، وجعلوا من التحرر هدفًا جامعًا لكل المغاربة الأحرار، واعلموا أن الكرامة والسيادة لا تُمنح، بل تُنتزع بالنضال الواعي والمسؤول.
تعليقات
إرسال تعليق