التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حرب السرديات الرقمية: الذباب الإلكتروني المغربي ضد الجزائر والشعب الصحراوي وآليات تمويله


 مقدمة

 حين تُخاض الحروب خلف الشاشات في عصر أصبحت فيه الفضاءات الرقمية ساحات معارك حقيقية لا تقل خطورة عن ميادين القتال التقليدية، تحوّلت الحرب من مواجهات مسلحة إلى صراع سرديات وتلاعب بالوعي الجمعي. يُعدّ نزاع الصحراء الغربية واحداً من أبرز النماذج الإقليمية التي تتجلى فيها هذه الحرب الرقمية بأبعادها الكاملة، إذ تشنّ المملكة المغربية حملات ممنهجة من التضليل الإلكتروني تستهدف الجزائر والشعب الصحراوي، في ما بات يُعرف بـ “حرب الجيل الرابع” أو “حرب المعلومات”.

يُقصد بـ “الذباب الإلكتروني” تلك الجيوش من الحسابات الوهمية والمنصات الإعلامية الموجهة، التي تعمل بصورة منسقة لتشويه الخصوم ونشر الأكاذيب وتمرير الأجندات السياسية. وتكشف الأدلة المتراكمة من تقارير منظمات حقوقية دولية وتحقيقات استقصائية وتسريبات وثائقية أن المغرب يُدير منظومة متكاملة من التضليل الرقمي، تُموَّل بمئات الملايين من الدولارات، وتستعين بأحدث تقنيات المراقبة والتجسس.

أولاً: البنية التحتية للذباب الإلكتروني المغربي

شبكات الحسابات الوهمية

يُشكّل الذباب الإلكتروني الطبقة الأولى والأكثر وضوحاً في منظومة التضليل المغربية. وقد رصدت تقارير موثقة عدة عمليات إزالة لشبكات مرتبطة بالمغرب على منصات التواصل الاجتماعي الكبرى. ففي فبراير من عام ألفين وواحد وعشرين، أعلنت شركة “ميتا” عن إزالة شبكة من الحسابات الوهمية ذات الصلة بالمغرب، والتي كانت تعمل على تشويه صورة الصحفيين والناشطين المعارضين.

وفي نوفمبر من عام ألفين واثنين وعشرين، كشف مختبر الأبحاث الجنائية الرقمية التابع لمجلس الأطلسي، بالتعاون مع جامعة كولومبيا البريطانية، عن شبكة من الحسابات على فيسبوك كانت تعمل بصورة منسقة لمدة تصل إلى ست سنوات، تستهدف الصحفيين المعتقلين بحملات تشهير وتشويه. وقد أكدت التحقيقات أن هذه الحسابات كانت تُضخّم محتوى منصات إعلامية مرتبطة بالأجهزة الأمنية المغربية، وتعمل على نشر معلومات مضللة حول استخدام برامج التجسس.

والأكثر دلالةً في هذا السياق هو ما كشفته وثيقة رسمية مسربة من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربي، التابعة لوزارة الداخلية، والمؤرخة في أكتوبر من عام ألفين وستة عشر. تكشف هذه الوثيقة عن أمر صريح بالتنسيق مع عملاء من ممتهني خبرة مواقع التواصل الاجتماعي من أجل الشروع في فتح آلاف الحسابات بأسماء مستعارة على فيسبوك بهدف زرع الكره والتوتر الدائم بين سكان منطقة الريف وجبهة البوليساريو. تُجسّد هذه الوثيقة بشكل لا لبس فيه الطابع الممنهج والمؤسسي لعمليات الذباب الإلكتروني المغربي.

المنظومة الإعلامية الموجهة

تتجاوز آليات التضليل المغربي الحسابات الوهمية لتشمل منظومة إعلامية متكاملة. تحتل بعض القنوات والمواقع المحلية موقعاً محورياً في هذه المنظومة، إذ وصفتها تقارير منظمات دولية بأنها تتصدر المواقع المحلية في المغرب، مع الإشارة إلى علاقتها المشبوهة بالأجهزة الأمنية وتاريخها في نشر قصص تُقوّض سمعة المعارضين. وقد وصفها الصحفيون المستقلون بالصحافة الإخبارية التشهيرية، إذ تُعدّ الوصول المبكر إلى أخبار الاعتقالات وعمليات الأمن دليلاً على تنسيقها مع السلطات.

وعلى الصعيد الدولي، كشف تحقيق استقصائي أجرته وكالات أنباء دولية أن بعض المواقع التي تتخذ من أوروبا مقراً لها وتتظاهر بأنها مراكز أبحاث مستقلة، كانت تعمل لأكثر من عقدين كأداة دعائية لصالح المغرب ضد الجزائر وجبهة البوليساريو. يُمثّل هذا النموذج ما يُعرف بالدعاية المقنّعة، التي تُخفي هويتها الحقيقية خلف واجهة أكاديمية أو صحفية.

برامج التجسس والمراقبة الرقمية

لا يقتصر الإرهاب الرقمي المغربي على التضليل، بل يمتد إلى المراقبة والتجسس المباشر على الناشطين والصحفيين. وقد وثّقت منظمات حقوقية دولية ومختبرات تقنية حالات متعددة لاستخدام السلطات المغربية لبرامج التجسس الإسرائيلية الصنع.

في أكتوبر من عام ألفين وتسعة عشر، أُعلن عن استهداف ناشطَيْن بارزَيْن في مجال حقوق الإنسان في المغرب ببرامج تجسس. وفي مارس من عام ألفين واثنين وعشرين، كُشف أن هواتف ناشطات صحراويات بارزات قد تعرّضت للاختراق، وهو ما نفته السلطات المغربية مطالبةً بتقديم الأدلة. وتُعدّ هؤلاء الناشطات من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، وقد سبق أن فزن بجوائز حقوقية دولية.

وفي عام ألفين وواحد وعشرين، كشف تحقيق دولي أن عشرات الصحفيين في المغرب كانوا مُدرجين كأهداف محتملة لبرامج التجسس، مما يكشف عن نطاق واسع لعمليات المراقبة التي تستهدف الأصوات الناقدة.

ثانياً: آليات التمويل وشبكات الدعم المالي

تتطلب إدارة هذه المنظومة المتكاملة من التضليل والتجسس موارد مالية ضخمة، يتم توفيرها عبر قنوات متعددة ومتشابكة:

الميزانيات الأمنية الحكومية

أشار مختصون في المسائل الأمنية إلى أن النظام المغربي خصص خلال السنوات الأخيرة مئات الملايين من الدولارات لتنشيط منصات التواصل الاجتماعي وتجنيد الآلاف لمهاجمة الجزائر بمعلومات كاذبة ومغلوطة وترويج الإشاعات، حتى إن بعض العملاء يمتلكون مئات الحسابات على منتديات التواصل الاجتماعي. وتأتي هذه الأرقام في سياق رفع المغرب ميزانيته الدفاعية إلى مليارات الدولارات للسنوات القادمة.

وتتوزع هذه الميزانيات الضخمة على عدة مستويات؛ فمن جهة، تُقدر ميزانية الذباب الإلكتروني المخصصة لاستهداف الجزائر والصحراء الغربية بمبالغ طائلة خلال السنوات الأخيرة. ومن جهة أخرى، بلغ الإنفاق على اللوبي الأمريكي للتأثير على السياسة الأمريكية ملايين الدولارات سنوياً. وتندرج هذه النفقات ضمن سياق أوسع يشهد ارتفاعاً ملحوظاً في ميزانية الدفاع الإجمالية للمغرب لتغطية متطلبات الدفاع والأمن الشامل.

شركات الضغط الأمريكية والأوروبية

ينفق المغرب مبالغ طائلة على شركات العلاقات العامة والضغط في الولايات المتحدة، وذلك بموجب قوانين تسجيل العملاء الأجانب. وفقاً لبيانات مواقع تتبع الإنفاق السياسي، بلغ الإنفاق الحكومي المغربي على اللوبيات الأمريكية ملايين الدولارات سنوياً، توزعت بين مؤسسات حكومية وشركات كبرى. تُستخدم هذه الأموال لتمرير الرواية المغربية حول الصحراء الغربية في أروقة الكونغرس والإدارة الأمريكية.

الاستعانة بشركات التضليل الخاصة

كشفت تحقيقات استقصائية دولية عن لجوء جهات حكومية وغير حكومية إلى شركات متخصصة في التضليل الإلكتروني. وقد كشف التحقيق عن شركات سرية تقدم خدمات التدخل في الانتخابات ونشر الأخبار الكاذبة عبر جيوش من الحسابات الآلية، وتربطها علاقات بجهات مغربية.

تعمل هذه الشركات من خلال منصات تتيح لعملائها إدارة آلاف الحسابات الوهمية على منصات متعددة في آنٍ واحد، مع إمكانية التلاعب بنتائج محركات البحث وتوجيه الرأي العام.

فضيحة “ماروك غيت

تُجسّد فضيحة “ماروك غيت” أعمق مستويات التمويل غير المشروع لشراء النفوذ الدولي. كشفت تحقيقات أوروبية عن تورط مسؤولين مغاربة في تقديم رشاوٍ نقدية لأعضاء وموظفين في البرلمان الأوروبي، بهدف التأثير على القرارات المتعلقة بالصحراء الغربية وحقوق الإنسان في المغرب. وقد أسفرت المداهمات الأمنية عن مصادرة مبالغ نقدية ضخمة. ردّ البرلمان الأوروبي على الفضيحة بتبني قرارات صارمة تمنع ممثلي المغرب من دخول مقره ريثما تنتهي التحقيقات.

اللوبي الإعلامي الفرنسي

تتشابك مصالح المغرب مع شبكات إعلامية فرنسية واسعة النفوذ. يرتبط هذا التشابك بمشاريع يمتلكها رجال أعمال يسيطرون على قنوات وصحف ذات توجهات محددة، والتي يُتهم بعضها بخدمة أجندات المغرب في مقابل مصالح تجارية في إفريقيا. يُتيح هذا التحالف للمغرب الوصول إلى منصات إعلامية غربية ذات مصداقية لتمرير روايته.

ثالثاً: الأهداف والضحايا

الصحفيون والناشطون الصحراويون

يقع الصحفيون والناشطون الصحراويون في مرمى الحملات الرقمية المغربية بشكل خاص. تتعرض منصات إعلامية مستقلة لهجمات سيبرانية متواصلة، وتهديدات بالتصفية الجسدية، وحملات تشهير ممنهجة. وقد أكد مديرو هذه الوكالات أنها أصبحت هدفاً مباشراً لمحاولات التضييق بسبب دورها في نقل الانتهاكات الحقوقية إلى المنظمات الدولية.

وتُعدّ الناشطات الصحراويات البارزات من أبرز الأهداف. فضلاً عن استهداف هواتفهن ببرامج التجسس، يواجهن حملات تشهير إلكترونية مستمرة تهدف إلى تشويه صورتهن أمام الرأي العام الدولي.

الجزائر ومؤسساتها

تستهدف حملات الذباب الإلكتروني الجزائر على مستويات متعددة، تشمل التلاعب بمحركات البحث لإظهار محتوى مضلل عند البحث عن أخبار جزائرية، وإغراق الفضاء الرقمي بسرديات تُشكّك في السياسة الخارجية الجزائرية، وشنّ حملات منسقة ضد شخصيات سياسية وإعلامية جزائرية. وتُشير التحليلات إلى أن هذه الحملات تعمل على هندسة الخوارزميات، أي التلاعب بآليات عمل منصات التواصل الاجتماعي لضمان ظهور المحتوى المعادي للجزائر في نتائج البحث وخلاصات الأخبار.

المعارضون المغاربة

لا تقتصر حملات الذباب الإلكتروني على الأهداف الخارجية، بل تمتد لتطال المعارضين المغاربة أنفسهم. وقد كشفت تحقيقات لمنظمات حقوقية عن استخدام وسائل الإعلام الموالية للحكومة المغربية لأخبار كاذبة لاستهداف وإسكات ناشطي الحركات الاحتجاجية. كما تعرّض صحفيون معارضون لحملات تشهير إلكترونية مكثفة قبيل اعتقالهم وإدانتهم بتهم وصفتها منظمات حقوق الإنسان بأنها ملفقة.

رابعاً: التطور التكنولوجي للحرب الرقمية

شهدت أساليب الحرب الرقمية تطوراً متسارعاً مع تقدم التكنولوجيا:

المرحلة الأولى: اعتمدت على الحسابات الوهمية البسيطة ونشر الشائعات عبر المنتديات ومنصات التواصل الاجتماعي.

المرحلة الثانية: تطورت لتشمل شبكات منسقة من الحسابات، واستخدام برامج التجسس المتطورة، وإنشاء منصات إعلامية وهمية.

المرحلة الثالثة: تتميز بتوظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى المضلل، واستخدام تقنيات التزييف العميق لإنشاء صور وفيديوهات مفبركة، والتلاعب بخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي. وقد رصدت تقارير عدة تداول صور مفبركة بالذكاء الاصطناعي تستهدف الصحراء الغربية والجزائر.

خامساً: الاستجابة الدولية ومحدوديتها

رصدت منظمات دولية عديدة هذه الظاهرة وأصدرت تقارير توثيقية بشأنها. غير أن الاستجابة الدولية تبقى محدودة لأسباب عدة: أولها صعوبة إثبات الصلة المباشرة بين الجهات الحكومية وشبكات التضليل، وثانيها تعقيد المشهد القانوني الدولي المتعلق بالحرب الإلكترونية، وثالثها تضارب المصالح الجيوسياسية الذي يجعل بعض الدول الغربية تُغضّ الطرف عن هذه الممارسات مقابل مصالح اقتصادية أو استراتيجية مع المغرب.

وقد أعلنت شركات التكنولوجيا الكبرى عن إزالة عدة شبكات مرتبطة بالمغرب، كما أصدرت منظمات حقوقية دولية تقارير موثقة. إلا أن غياب آلية دولية فعّالة لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، وهو ما أشارت إليه منظمات صحراوية في جلسات أممية، يُضعف فعالية هذه الاستجابات.

الحقيقة في مواجهة الآلة

تُمثّل حرب الذباب الإلكتروني التي يشنّها المغرب ضد الجزائر والشعب الصحراوي نموذجاً بالغ التعقيد لحروب الجيل الرابع، حيث تُستخدم التكنولوجيا والمال والنفوذ الإعلامي أسلحةً لتزييف الوعي وتشويه الحقائق. وتكشف الأدلة المتراكمة أن هذه الحرب ليست عشوائية، بل تُدار بصورة مؤسسية منظمة، تشمل أجهزة الاستخبارات والوزارات الحكومية وشركات الضغط الدولية وشبكات الإعلام الموجه.

ورغم الميزانيات الضخمة والتقنيات المتطورة المستخدمة في هذه الحملات، تظل صلابة الوعي الشعبي والعمل الاستقصائي الدولي والتوثيق الحقوقي المستمر أهم حوائط الصد أمام هذه السرديات المضللة. فكما أثبتت التجربة، فإن الحقيقة، مهما طالت وطأة التضليل، تجد في نهاية المطاف طريقها إلى النور.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...