تُعد الصحراء الغربية آخر مستعمرة في إفريقيا، وهي منطقة غنية بالموارد الطبيعية تخضع لاحتلال عسكري مغربي منذ عام خمسة وسبعين وتسعمائة وألف. وفي السنوات الأخيرة، برزت استراتيجية جديدة ومدروسة للاحتلال المغربي لتوطيد سيطرته على هذه الأراضي، لا تعتمد على القوة العسكرية فحسب، بل على ما بات يُعرف بـ”الغسيل الأخضر” من خلال مشاريع الطاقة المتجددة الضخمة.
يهدف المغرب من خلال هذه الاستراتيجية إلى توريط شركات عالمية كبرى في استثمارات طويلة الأمد في قطاعي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى الهيدروجين الأخضر. هذا التوريط يخلق مصالح اقتصادية وسياسية لهذه الشركات وللدول التي تنتمي إليها في استمرار الوضع القائم وديمومة الاحتلال، مما يعقد جهود الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار ويقوض حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
استراتيجية التوريط الاقتصادي والسياسي
تعتمد الاستراتيجية المغربية على استغلال الإمكانات الطبيعية الهائلة للصحراء الغربية، حيث تتميز المنطقة بسرعة رياح عالية وإشعاع شمسي مكثف، مما يجعلها موقعاً مثالياً لمشاريع الطاقة المتجددة. ومن خلال تقديم حوافز استثمارية ووعود بأرباح ضخمة، يجذب المغرب الشركات العالمية لتطوير هذه المشاريع في الإقليم المحتل.
بمجرد استثمار هذه الشركات لمئات الملايين أو المليارات من الدولارات في البنية التحتية من توربينات رياح وألواح شمسية ومحطات تحلية مياه، تصبح لها مصلحة مباشرة في استقرار المنطقة تحت الإدارة المغربية. هذا الاستقرار المزعوم يحمي استثماراتها ويضمن عوائدها. وبالتالي، تتحول هذه الشركات، بوعي أو بدون وعي، إلى جماعات ضغط تدافع عن المصالح المغربية في عواصمها، وتعارض أي قرارات دولية قد تهدد استقرار استثماراتها.
علاوة على ذلك، تُستخدم الطاقة المنتجة من هذه المشاريع لتشغيل صناعات استخراجية أخرى في الصحراء الغربية، مثل مناجم الفوسفات التي تديرها شركة المكتب الشريف للفوسفاط المغربية ومصانع دقيق السمك، مما يعزز من نهب الموارد الطبيعية للإقليم. كما تُستخدم هذه الطاقة لتشغيل محطات تحلية المياه التي تروي مشاريع زراعية ضخمة، مما يشجع على جلب المزيد من المستوطنين المغاربة لتغيير التركيبة الديموغرافية للإقليم.
تجاهل القانون الدولي وموافقة الشعب الصحراوي
تتجاهل الشركات العالمية المستثمرة في هذه المشاريع القانون الدولي الذي ينص بوضوح على أن استغلال الموارد الطبيعية في الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي يجب أن يتم بموافقة شعوبها وبما يخدم مصالحهم. وقد أكدت محكمة العدل الأوروبية في أحكام متتالية أن الصحراء الغربية إقليم منفصل ومتميز عن المغرب، وأن أي نشاط اقتصادي فيه يتطلب موافقة الشعب الصحراوي.
بدلاً من الحصول على هذه الموافقة، تلجأ الشركات والمغرب إلى إجراء مشاورات صورية مع ما يسمونه أصحاب المصلحة المحليين أو الساكنة، وهم في الغالب مستوطنون مغاربة أو هيئات تابعة للاحتلال، متجاهلين الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي. وقد رفضت محكمة العدل الأوروبية هذا النهج صراحةً، مؤكدةً أن مشاورة السكان لا تحل محل موافقة الشعب الصحراوي.
الشركات العالمية المتورطة في مشاريع الطاقة بالصحراء الغربية
تتصدر قائمة الشركات المتورطة شركة1
1- سيمنز إنرجي وذراعها سيمنز غاميسا الإسبانية، وهي من أكبر الشركات الداعمة للبنية التحتية للاحتلال من خلال توريد وتركيب وصيانة توربينات الرياح في عدة مزارع ريحية. وتُعد شركة
2- إينيل غرين باور الإيطالية شريكاً رئيسياً في تطوير وتشغيل مزرعة رياح بوجدور بالشراكة مع شركة نارفا المغربية المملوكة للملك المغربي.
أما شركة
3-إنجي الفرنسية فتتولى تطوير وتشغيل مزرعة رياح ومحطة تحلية مياه في الداخلة، وهو المشروع الذي يُعد نموذجاً صارخاً على الاستعمار الأخضر، إذ يُستخدم لدعم المشاريع الزراعية الاستيطانية. وتُسهم شركة
4-- جنرال إلكتريك الأمريكية عبر ذراعها جي إي فيرنوفا في توريد توربينات لمزرعة أفتيسات والمنافسة على عقود البنية التحتية لنقل الطاقة.
وفي قطاع الطاقة الشمسية، تبرز شركة
1-أكوا باور السعودية التي طورت وتشغل محطتي الطاقة الشمسية نور العيون ونور بوجدور، فضلاً عن تخطيطها لمشاريع هيدروجين أخضر ضخمة في الإقليم. وتضطلع شركة
2 تاقة الإماراتية بدور محوري من خلال تطوير مزارع رياح ضخمة ومشاريع هيدروجين أخضر، إضافة إلى خط نقل طاقة عالي الجهد يمتد من الداخلة إلى وسط المغرب. وفي السياق ذاته، تعمل شركة
3- أميا باور الإماراتية على تطوير مزارع رياح في العيون ومشاريع هيدروجين أخضر في جنوب الصحراء الغربية.
وتشارك شركة
4-أكسيونا الإسبانية في كونسورتيوم لتطوير محطة تحلية مياه ضخمة تُعد من الأكبر في العالم، وستعتمد على طاقة الرياح المنتجة في الصحراء الغربية لتزويد الدار البيضاء بالمياه. وتتولى شركة
5- فولتاليا الفرنسية تطوير مزرعة رياح غراد جراد، فيما توفر شركة
6/غولدويند الصينية التوربينات لمزرعة بئر إنزران التي ستغذي محطة تحلية المياه في الدار البيضاء.
أما شركة
7/فينشي الفرنسية عبر فروعها أوميكسوم وسيجيليك، فتتولى بناء شبكات نقل الكهرباء وربط مزارع الرياح بالشبكة الوطنية المغربية. وتضطلع شركة
8- بريزه شيفارت الألمانية بالنقل البحري واللوجستي لمكونات توربينات الرياح إلى موانئ الصحراء الغربية. وتوفر شركة
9-إنفيجن إنرجي الصينية توربينات مشروع الداخلة لتحلية المياه التابع لشركة إنجي. وأخيراً، تخطط شركة
10-موفي الإسبانية، المعروفة سابقاً باسم سيبسا، لإنتاج الأمونيا الخضراء والوقود الصناعي بالشراكة مع شركة تاقة الإماراتية.
إن الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة في الصحراء الغربية ليس مجرد نشاط تجاري أو مساهمة في مكافحة التغير المناخي، بل هو فعل سياسي بامتياز يساهم في ترسيخ احتلال غير شرعي. من خلال هذه المشاريع، ينجح المغرب في خلق شبكة معقدة من المصالح الدولية التي تجعل من إنهاء الاحتلال أمراً بالغ الصعوبة، حيث تصبح الشركات العالمية ودولها شريكة في استغلال الإقليم وتجاهل حقوق الشعب الصحراوي.
تعليقات
إرسال تعليق