سجن آيت ملول سيء الذكر...
بينما تطالعك أبراج المراقبة الأربعة والسور الخارجي المتقادم ستستعيد عبارة_سيء الذكر_حتما والتي طالما التصقت بسجن آيت ملول ومعها أسماء عديدة لمعتقلين سياسيين صحراويين مروا من هنا ذات محنة، ولن يعيدك لواقعك إلا بوق سيارة الخفر أمام الباب الخارجي من أجل الولوج إلى الداخل. الكثير من وجوه الحراس إلى جانب السيارة توحي بالبؤس والكآبة وهم يتطلعون إلى من سينزل. يساق الجميع-بعد فك الأصفاد-الى المكان المخصص للوافدين الجدد أين يتقابل كرسيا إسمنت طويلان وباردان يسعان لقرابة الخمسين شخصا في ممر مفتوح جزئيا على السقف ستنعدم فيه الرؤية بعيد ذلك جراء أدخنة السجائر الخمسين المشتعلة دفعة واحدة. تستطيع وبسهولة-ومن خلال نظرات و طريقة تحقق المسؤول عن ملفات السجناء من هويتك-أن تدرك أن القادم أصعب وأن معاملة من نوع خاص بانتظارك. يعمد إلى تركك ساعات طويلة على الكراسي الممتدة والباردة إلى أن ينتهي كل الحراس من تفتيش الآخرين حتى يتفرغ الجميع لك. حارس عابس الوجه يتطاير الشر من عينيه هو من سيتكلف بتفتيشك جسديا أين لا يدخر جهد في إذلالك ومع أبسط اعتراض سيتضاعف الإذلال حتما. تجريد تام من الملابس ونظرات احتقار وتدقيق في أي شيء حتى ولو كان رقم هاتف ومعاملة لا تخف إلا أمام برودة أعصاب قد يلهمكها الله. آنذاك قد تلوح إنسانية نادرة من سكجانك ويخبرك أنه مجبر على هكذا تعامل وأن ما باليد حيلةبعد أن يلتفت يمنة ويسرة داعيا لك بالفرج بعد إعادة سبحتك إليك كبادرة حسن نية. تنكب بقية الحراس على أشيائك بتركيز الباحث عن ضالة ولا يعكر صفو الجو إلا كلمات أمازيغية قد تميز بعضها إن كنت ممن درس في كليات إبن زهر أو صادف وأن كان يقال الحي مستوطنات أمازيغيا.، غير أن الثابت في الأمر كله أن ما سيدفع إليك به من الحاجيات لن يتجاوز بضع بطاريات لا تتجاوز الخمس في أحسن الأحوال إلى جانب بعض الملابس والباقي ممنوع داخل السجن. ستكتشف أيضا أنك المعني بالغمز واللمز والجلبة في القاعات والممرات المجاورة وأن حالة الإستنفار في معظم مكاتب إدارة السجن سببها الرئيس قدوم طلبة صحراويين من أنصار البوليساريو. معاناتك الحقيقية ستبدأ بمجرد الولوج للحي الذي اختير بعناية فائقة ولن يحيد عن حيي"الانضباط"أو "الإمتثال".إبتسامة الحارس المكلف بباب الحي وترحابه بك بعد تسليمك إليه من لدن حارس آخر " تقليد"متعارف عليه في حالة المعتقلين السياسيين الصحراويين . يأمرك بوضع حاجياتك والوقوف قبالة الحائط كالمنتظر للإعدام رميا بالرصاص، وأمام رفضك الامتثال تتزايد حدة صوته وتنقلب البشاشة سبا وشتما على أن يتدخل المسؤول الأول عن الحي تدخل الجاهل بكل شيء في تقليد مسرحي دارج ومكشوف. وهنا قد يشفع لك استعراض رصيدك القانوني في صد"الهجوم"خاصة إذا صادف ذلك وجود سجناء آخرين بالجوار لم يألفوا مجادلة الجلاد وهكذا وقوف في وجهه ونقاش من هذا النوع دائما م انتهى بضحية مضرج في دمائه، بيد أنه سيتم عزلك في غرفة الطبخ أو تلك المخصصة للفحص الطبي من أجل تلقينك النظام المعمول به داخل الحي وأن مخالفته ستضر بك حتما. وبعد أن تخضع لتفتيش الحشاشين والسكرة والنشالين ويمعن في اسفزازك ما أمكن، يتم اصطحابك إلى الغرفة "المختارة"أين انتقي نزلاؤها من ذوي السابق في كل الجرائم التي قد تخطر على البال،تغطي أجسادهم شبه العارية
مختلف أنواع الأوشام و الرسوم والندوب. ولن يعيدك إلى وعيك من جديد-وأنت تتفحص آثار الجروح وما فعلته بالملامح التي تختفي وتظهر جراء كثافة أدخنة السجائر-إلا أحدهم يستفسرك عن السجن الذي أتيت منه ومدة عقوبتك بينما يتفحص آخر أغراضك عن بعد، لتدرك حينها أنك الحمل الوديع الذي انتهت به الأيام في غابة من الذئاب والكل ينتظر لحظة انهيارك. عيون الجواسيس والمخبرين ستراقبك حتى في وقت متأخر من الليل وتكتشف ولو -متأخرا-سبب تحاشي الكثيرين- ممن قد تستفسرهم عن أسفه الأشياء-اجابتك، ولماذا قد يبعدون فجأة من الغرفة ومن الحي أحيانا إن هم كلموك، وأن الأمر متعلق بمقاطعتك بأمر من الحراس لتعميق معاناتك. يعمد إلى تأخيرك في استعمال المرحاض والمطبخ ولن تنال إلا ما علق في أسفل القدر الكبير الخاص بالحصص اليومية للغذاء وقد تنتظر أسابيع عدة حتى يصلك الدور عند الحلاق والعذر قد يكون أقبح من ذنب، وعند أول احتجاج يرمى بك في زنزانة انفرادية مظلمة بزعم التحريض على الاحتجاج، كما قد تقضي أيامك متنقلا بين أسوأ الغرف ولن تعرف الاستقرار طعما ما اشتمت فيك رائحة التمرد. ولن ينقاط ن جحيم أيت ملول إلا معركة أمعاء فارغة قد تعانق على إثرهاالشهادة أو تعيش كالبشر.
18/07/2018
سجن أيت مول/أكادير/جنوب المغرب
عبد المولى محمد الحافظ
تعليقات
إرسال تعليق