منذ احتلال المغرب للمدن الصحراوية في عام 1975، شرع النظام المغربي في تنفيذ سياسة استعمارية شاملة، لم تقتصر على السيطرة العسكرية والاقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل مختلف جوانب الحياة اليومية والثقافية والاجتماعية للشعب الصحراوي. وكان من أبرز أهداف هذه السياسة تفريغ الإنسان الصحراوي من هويته وخصوصيته الثقافية، عبر عملية “تدجين” ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيله وفق نموذج “الشخصية المغربية” كما رسمها المخزن، بما تحمله من خنوع وتبعية للسلطة المركزية.
استراتيجية “العصا والجزرة”: آليات السيطرة المخزنية
اعتمد الاحتلال المغربي على أسلوب استعماري تقليدي معروف، يقوم على ثنائية “العصا والجزرة”. ففي حين تمثل “العصا” القمع الأمني والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وثقتها تقارير دولية عديدة، نركّز في هذا السياق على جانب “الجزرة”. فقد لجأ النظام المغربي إلى إغراء بعض العائلات الصحراوية ذات الثقل الديموغرافي والاجتماعي، من خلال منح امتيازات مادية ورمزية، مقابل الولاء والانصياع التام.
تقوم هذه السياسة على مقايضة رخيصة: امتيازات مشروطة بالتخلي التدريجي عن مقومات الهوية الصحراوية — من شهامة وأنفة وعصامية — لتبدأ بذلك عملية تدجين تدريجية. وينتج عن هذه العملية إنسان لا يسعى في حياته سوى خلف لقمة العيش، فاقدًا للإرادة والطموح، غير منتج ولا فاعل، يعيش فقط لإشباع حاجاته الأساسية وسط رفاهية زائفة ومؤقتة.
ملامح “الشخصية المُصنّعة” ومفهوم المخزن
تتجلى في هذه السياسة ملامح “الشخصية المغربية المُصنّعة”، كما أرادها النظام المخزني منذ قرون. فالمخزن، كمؤسسة سياسية ونظام اجتماعي، يعتمد على شبكات الولاء والتبعية لضمان استمراريته. ويسعى هذا النظام إلى خلق شخصية قابلة للترويض، محكومة بالخوف، أسيرة للحاجة، ومجردة من أي طموح أو فعل سياسي مستقل.
وتتعارض هذه السمات بشكل جذري مع الشخصية الصحراوية الأصيلة التي تتسم بالاستقلالية والعصامية والأنفة والكرامة والفاعلية السياسية والاجتماعية والتمسك بالهوية الثقافية. في المقابل، يسعى النظام المخزني إلى فرض سمات الشخصية المُدجّنة التي تتسم بالتبعية والاتكال على السلطة والخنوع والقبول بالأمر الواقع والسلبية واللامبالاة السياسية والذوبان في النموذج الثقافي المفروض.
“الكارطية”: أداة للتحكم وإنتاج “الإنسان العقيم”
من أبرز أدوات هذا المشروع الاستعماري ما يُعرف شعبيًا بـ”الكارطية” — وهي بطاقات الدعم والمعونة (الريع) التي تُمنح للصحراويين بشروط الولاء والانضباط. تُستخدم هذه البطاقات كآلية للتحكم عن بُعد، تهدف إلى إبقاء الفرد في حالة تبعية دائمة للسلطة المانحة.
إن هذه الأداة ليست وسيلة للتمكين الاقتصادي أو التنمية الحقيقية، بل هي أداة لإنتاج “الإنسان العقيم”: إنسان غير منتج، غير مستقل، خاضع، يعيش على هامش الحياة، خائفًا باستمرار على قوته اليومي. وفي هذا الإطار، تبدأ فعليًا عملية إنتاج “الإنسان المريض”: فاقد للمهارات التي كان يجب أن يكتسبها في بيئة طبيعية، محدود الأفق، وخالٍ من أي تصور طموح لمستقبله وحياته.
التغيير الديموغرافي وإنشاء “الطابور الخامس”
تترافق سياسة التدجين مع سياسة استيطان ممنهجة تهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للصحراء الغربية. فقد رعت الدولة المغربية مخططات توطين لإغراء آلاف المغاربة للانتقال إلى الأراضي الصحراوية، مما يشكل انتهاكًا للقانون الدولي.
ومن بين الأهداف الأخرى لمنظومة “الكارطية” والامتيازات، إنشاء “طابور خامس” داخل المخيمات وفي دول المهجر. يُستَخدم هذا الطابور عبر منصات التواصل الاجتماعي كأداة لاختراق النسيج الاجتماعي الصحراوي، وبث التفرقة، واستغلال أي حدث ونفخه في إطار الحرب النفسية والإعلامية التي يشنّها الاحتلال المغربي ضد الصحراويين ومقاومتهم السلمية والمسلحة.
إن سياسة التدجين التي يمارسها الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية ليست مجرد ممارسات إدارية أو اقتصادية، بل هي حرب وجودية تستهدف الهوية والروح الصحراوية. ورغم قسوة هذه السياسات واستمرار الانتهاكات، تظل المقاومة الصحراوية، بتمسكها بهويتها وحقها في تقرير المصير، العائق الأكبر أمام اكتمال هذا المشروع الاستعماري الاستلابي.
تعليقات
إرسال تعليق