التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إدانات السمارة: غطاء دولي لنهب ثروات الصحراء الغربية وتجريم حق المقاومة المشروع

 مقدمة

 إدانات السمارة: غطاء دولي لنهب ثروات الصحراء الغربية وتجريم حق المقاومة المشروع

في خضم التطورات الميدانية الأخيرة التي شهدتها مدينة السمارة المحتلة في مايو 2026، سارعت قوى دولية، على رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا، إلى إصدار بيانات إدانة ضد العمليات العسكرية التي تنفذها جبهة البوليساريو. غير أن قراءة متأنية لهذه المواقف تكشف عن ازدواجية معايير صارخة؛ فهذه الإدانات لا تعدو كونها غطاءً سياسياً لتأمين استمرار نهب الثروات الطبيعية للشعب الصحراوي، ومحاولة لتجريم حق أصيل كفله القانون الدولي: حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في المقاومة المسلحة.

المقاومة المسلحة: حق مشروع لا “إرهاب

تحاول الآلة الدعائية للاحتلال المغربي وبعض حلفائه الغربيين و الدول الخليجية وسم العمليات العسكرية لجبهة البوليساريو بـ”الإرهاب”، في تجاهل تام للأسس القانونية التي تحكم النزاع في الصحراء الغربية باعتباره قضية تصفية استعمار.

إن القانون الدولي واضح في هذا الشأن؛ فقد كفل إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 لعام 1970 حق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة الاحتلال، معتبراً أن أي تدبير قسري يحرم الشعوب من هذا الحق يُعد انتهاكاً للقانون الدولي. كما أن المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة تمنح صفة أسير حرب لأفراد حركات المقاومة، مما يضفي شرعية قانونية على الكفاح المسلح ضد القوى الاستعمارية وقوى الاحتلال الأجنبي.

وعليه، فإن استئناف الكفاح المسلح من قبل جبهة البوليساريو في عام 2020، بعد عقود من المماطلة المغربية في تنفيذ خطة التسوية الأممية لعام 1991 وإجراء استفتاء تقرير المصير، يُعد ممارسة مشروعة لحق الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال، وليس عملاً إرهابياً كما تروج له العواصم المستفيدة من استمرار الوضع القائم.

الاستيطان المغربي: جريمة حرب مستمرة

في الوقت الذي تتباكى فيه العواصم الغربية على الاستقرار في المنطقة، تتجاهل تماماً الجريمة المستمرة المتمثلة في الاستيطان المغربي في الصحراء الغربية.

يُعرّف القانون الإنساني الدولي، وتحديداً المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، نقل القوة المحتلة لجزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها بأنه عمل غير قانوني. وعلاوة على ذلك، يُصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية هذا الفعل جريمة حرب.

منذ اجتياح الصحراء الغربية عام 1975، عمد النظام المغربي إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للإقليم بشكل ممنهج عبر توطين مئات الآلاف من المغاربة، بهدف طمس الهوية الصحراوية وفرض أمر واقع ديموغرافي يجهض أي عملية ديمقراطية لتقرير المصير. إن صمت المجتمع الدولي عن هذه الجريمة، بل ودعم بعض الدول لها عبر فتح قنصليات في الأراضي المحتلة، يفرغ إداناتها لعمليات المقاومة من أي محتوى أخلاقي أو قانوني.

ثروات الصحراء وجبل التروبيك: المحرك الخفي للتآمر الدولي

لا يمكن فصل المواقف الغربية المنحازة للاحتلال المغربي عن المصالح الاقتصادية البحتة، وتحديداً التكالب على الثروات الطبيعية الهائلة التي تزخر بها الصحراء الغربية ومياهها الإقليمية.

لقد شكلت أحكام محكمة العدل الأوروبية المتتالية، وآخرها في أكتوبر 2024، صفعة قانونية للاتحاد الأوروبي والمغرب، حيث أكدت بطلان اتفاقيات الصيد البحري والزراعة لأنها تشمل أراضي الصحراء الغربية دون موافقة الشعب الصحراوي، الممثل الشرعي والوحيد له جبهة البوليساريو. ورغم هذه الأحكام الواضحة التي تعتبر استغلال هذه الثروات نهباً غير قانوني، تواصل المفوضية الأوروبية البحث عن ثغرات للالتفاف على قرارات محكمتها لضمان استمرار تدفق الموارد الصحراوية إلى الأسواق الأوروبية، سواء تعلق الأمر بالثروة السمكية والزراعية التي توفر الأمن الغذائي للأسواق الأوروبية، أو الفوسفات الذي يوفر عائدات مالية ضخمة لتمويل آلة الاحتلال.

وفي قلب هذه الأطماع الاقتصادية، يبرز جبل التروبيك كأحد أهم الدوافع الاستراتيجية لعرقلة استقلال الصحراء الغربية. يقع هذا الجبل البحري قبالة السواحل الأطلسية للصحراء الغربية، ويحتوي على احتياطيات عالمية ضخمة من المعادن النادرة، خاصة التيلوريوم والكوبالت، وهي معادن حيوية لصناعة الألواح الشمسية وبطاريات السيارات الكهربائية والانتقال الطاقي والتكنولوجيا النظيفة. إن محاولة المغرب ضم هذه المنطقة البحرية تُعد توسعاً استعمارياً جديداً لنهب مقدرات الشعب الصحراوي.

إن التواطؤ الدولي، وخاصة الأوروبي، مع الاحتلال المغربي ليس سوى محاولة لتأمين حصة من هذه الكنوز الاستراتيجية. فالإدانات الموجهة للمقاومة الصحراوية تهدف في جوهرها إلى حماية الاستثمارات الأجنبية غير الشرعية، وتوفير بيئة آمنة للشركات المتعددة الجنسيات لمواصلة نهب مقدرات الأجيال الصحراوية القادمة.

إن اختزال النزاع في الصحراء الغربية في بيانات إدانة لعمليات عسكرية مشروعة هو محاولة بائسة لتزوير التاريخ والقفز على حقائق القانون الدولي. إن الشعب الصحراوي، الذي يعاني من ويلات اللجوء والاحتلال والاستيطان منذ نصف قرن، يمتلك الحق الكامل في الدفاع عن أرضه وثرواته بكل الوسائل المشروعة، بما فيها الكفاح المسلح.

لن يتحقق السلام العادل والدائم في المنطقة عبر التواطؤ مع قوة الاحتلال لنهب ثروات جبل التروبيك أو غيره، بل عبر الامتثال للشرعية الدولية، وإنهاء الاستيطان، وتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...