تعكس اللقاءات التشاورية بين الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب والاحتلال المغربي، التي تُجرى تحت إشراف الأمم المتحدة وبرعاية الولايات المتحدة الأمريكية، تعقيداتٍ عميقةً في مسار القضية الصحراوية. كما تكشف هذه اللقاءات عن فشل واشنطن في إخراج هذا النزاع من إطاره القانوني والأممي الذي حدّدته الشرعية الدولية منذ عقود. فرغم محاولات الترويج لهذه اللقاءات التشاورية على أنها مسارٌ جادٌّ نحو التسوية، فإن واقعها السياسي يؤكد استمرار حالة الجمود بدل الاقتراب من حلٍّ عادلٍ ودائم.
تُظهر الرعاية الأمريكية إصرار الولايات المتحدة على لعب دور الوسيط في هذا النزاع الإقليمي المعقد، غير أنّ هذا الدور لا يمكن اعتباره محايدًا أو مجانيًا. فالسياسة الأمريكية، خاصة خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قامت على منطق المصالح والصفقات، حيث يُقدَّم الدعم السياسي مقابل تنازلاتٍ استراتيجية تخدم النفوذ الأمريكي وحلفاءه في المنطقة، وعلى رأسهم الاحتلال المغربي.
إنّ الهدف الحقيقي من هذه اللقاءات التشاورية لا يبدو متجهًا نحو تمكين الشعب الصحراوي من حقه المشروع في تقرير المصير، بقدر ما يسعى إلى استدراجه نحو حلولٍ جزئيةٍ وأنصافِ تسوياتٍ تُفرغ القضية من مضمونها القانوني. فالولايات المتحدة، من خلال مسوداتها المقترحة قبل صدور القرارات الأممية الأخيرة، تكشف عن نواياها الحقيقية الرامية إلى فرض واقعٍ سياسيٍّ جديدٍ يمنح شرعيةً قانونيةً للاحتلال المغربي، بعد أن عجز عن فرضها بالقوة العسكرية.
وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797، الذي اعتُمد بمبادرة أمريكية، والذي اعتبر أن منح إقليم الصحراء الغربية حكمًا ذاتيًا حقيقيًا تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأنجع للنزاع. هذا القرار يمثل تحولًا في الخطاب الأممي، حيث يحاول الدفع بمقترح الحكم الذاتي المغربي كإطار أساسي للتفاوض، متجاهلًا المطالب التاريخية والقانونية للشعب الصحراوي بالاستقلال التام.
في هذا السياق، تتباين المواقف الدولية والإقليمية بشكل حاد. فالولايات المتحدة تدعم مقترح الحكم الذاتي المغربي لتعزيز تحالفاتها الاستراتيجية في المنطقة، بينما يتمسك الاحتلال المغربي بهذا المقترح كحل وحيد لتكريس سيطرته على الإقليم وإضفاء الشرعية الدولية على احتلاله. في المقابل، تتمسك الجبهة الشعبية بحق تقرير المصير والاستقلال، مستندة إلى القانون الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية، وتجد دعمًا قويًا من من الدول التي توريد الالتزام بجوهر القانون الدولي الذي يعتبر القضية الصحراوية قضية تصفية الاستعمار وان الحل الوحيد القانوني هو استفتاء الشعب الصحراوي استفتاء حر ونزيه
تحوّلت هذه اللقاءات التشاورية، بدل أن تكون أداةً لإنهاء النزاع وفق مبادئ القانون الدولي، إلى وسيلةٍ للضغط السياسي ومحاولة إعادة تعريف القضية الصحراوية خارج إطارها الأصلي كقضية تصفية استعمار. وهذا ما يفرض على الجبهة الشعبية التمسك بالثوابت الوطنية، والحذر من الانخراط في مسارات تفاوضية تُستَخدم لإضفاء الشرعية على الاحتلال تحت غطاءٍ دوليٍّ وأمميّ.
وقد أكدت منظمات حقوقية دولية أن شعب الصحراء الغربية يمتلك الحق في تقرير المصير بموجب القانون الدولي، مستندة إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 1975 وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا الدعم القانوني الدولي يشكل ركيزة أساسية لمطالب الجبهة الشعبية في مواجهة الضغوط السياسية.
إن اللقاءات التشاورية الحالية، في ظل المعطيات السياسية الراهنة والرعاية الأمريكية المنحازة، لا تبشر بحل قريب يرضي تطلعات الشعب الصحراوي. بل إنها تعكس محاولة لفرض تسوية سياسية تتجاوز الحقوق التاريخية والقانونية الثابتة. ويبقى التحدي الأكبر أمام الجبهة الشعبية هو الحفاظ على زخم القضية في المحافل الدولية والتمسك بحق تقرير المصير كخيار لا حياد عنه.
تعليقات
إرسال تعليق