رحل الزعيم الصحراوي محمد عبد العزيز تاركاً وراءه إرثاً نضالياً ودبلوماسياً يمتد لأكثر من أربعة عقود. وقد توقفت كبريات الصحف والمجلات العالمية عند محطات حياته، ومن أبرزها مجلة “The Economist” البريطانية العريقة، التي خصصت مقالاً يسلط الضوء على مسيرته الطويلة. ورغم التحديات الجسام التي واجهت قضيته، برزت في التغطيات الإعلامية الدولية جوانب إيجابية عديدة تعكس حكمة الرجل، وصبره، ونجاحاته الدبلوماسية التي رسخت مكانة القضية الصحراوية في المحافل الدولية.
إشادة بمسيرة الصمود والثبات
في نعيها للشهيد محمد عبد العزيز، أبرزت مجلة “The Economist” التزامه المطلق بقضية شعبه، مشيرة إلى أنه قاد شعبه في المنفى طوال أربعين عاماً، حاملاً على عاتقه وعد العودة إلى وطن مستقل هذا الثبات الطويل يعكس شخصية قيادية استثنائية، قادرة على الحفاظ على تماسك شعبها رغم قسوة الظروف في مخيمات اللجوء التي تعد من أقسى البيئات الصحراوية في العالم.
ولعل أبرز ما اختتمت به المجلة البريطانية مقالها هو تأكيدها القاطع على قوة الإرث الذي تركه عبد العزيز، حيث كتبت: “إن قضيته لن تموت معه” ،هذه العبارة تختزل نجاحه في تحويل قضية الصحراء الغربية من مجرد نزاع إقليمي إلى قضية حية تتوارثها الأجيال، وتؤمن بعدالتها.
مهندس الدبلوماسية الصحراوية
لم يكن محمد عبد العزيز مجرد قائد عسكري في سنوات المواجهة الأولى، بل أثبت براعة فائقة كمهندس للدبلوماسية الصحراوية. فقد أدرك مبكراً أهمية الانتقال من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي والدبلوماسي، وهو ما تجلى في قبوله بوقف إطلاق النار عام 1991 والانخراط في مسار التسوية السلمية تحت مظلة الأمم المتحدة .
وقد أثمرت جهوده الدبلوماسية عن إنجازات تاريخية، لعل أبرزها نجاح الدبلوماسية الصحراوية تحت قيادته في انتزاع اعتراف أكثر من سبعين دولة بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية . كما قاد عبد العزيز بلاده لتصبح عضواً كامل العضوية في منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حالياً) عام 1985، وهو انتصار دبلوماسي استراتيجي عزز من شرعية القضية على المستوى القاري وإلى جانب ذلك، أظهر التزاماً ثابتاً بالشرعية الدولية، ودعم خطط الأمم المتحدة للسلام، مفضلاً خيار الاستفتاء وتقرير المصير على العودة إلى مربع الحرب، رغم الضغوط الداخلية من الأجيال الشابة المتحمسة .
بناء الإنسان والدولة في المنفى
إلى جانب العمل الدبلوماسي، ركز محمد عبد العزيز على بناء مؤسسات دولة حديثة وديمقراطية في المنفى. وقد أشادت تقارير دولية ومنظمات تضامنية بنجاحه في تحويل مخيمات اللجوء إلى مجتمعات منظمة تعتمد على الإدارة الذاتية .
ففي مجال التعليم، أشرف على إطلاق حملات محو الأمية الشاملة، مما رفع نسبة المتعلمين بين الصحراويين إلى مستويات قياسية تُعد من الأعلى في أفريقيا ،وعلى صعيد تمكين المرأة، أتاح للمرأة الصحراوية لعب أدوار قيادية بارزة في إدارة المخيمات، وتولي مناصب وزارية ودبلوماسية رفيعة، مما يعكس رؤية تقدمية لبناء المجتمع ، أما في الجانب الأمني والاجتماعي، فقد حرص على الحفاظ على التماسك الاجتماعي، ورفض التطرف والإرهاب رفضاً قاطعاً، مع التأكيد الدائم على أن النضال الصحراوي هو “نضال نظيف” يلتزم بالمبادئ الإنسانية والأخلاقية .
حكمة القائد في مواجهة التطرف
في منطقة تعج بالاضطرابات وتنامي الجماعات المتطرفة، كان محمد عبد العزيز صمام أمان. فقد أشار مقال “The Economist” إلى التهديدات التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، وفي هذا السياق، برزت حكمة عبد العزيز في النأي بشعبه عن الانزلاق نحو التطرف أو الانخراط في شبكات التهريب، محافظاً على بوصلة النضال موجهة حصرياً نحو الهدف الوطني المشروع .
إن القراءة المتأنية لما كتبته “The Economist” والمصادر الدولية الأخرى عن الشهيد محمد عبد العزيز، تكشف عن زعيم جمع بين صلابة المقاتل وحكمة الدبلوماسي. لقد نجح في وضع قضية بلاده على الخارطة العالمية، وبنى مجتمعاً متعلماً ومنظماً في قلب الصحراء، تاركاً للأجيال القادمة إرثاً من الصمود السلمي والإيمان الراسخ بعدالة القضية؛ إرثاً يؤكد، كما قالت المجلة البريطانية، أن قضيته حية ولن تموت.
رابط المقال الأصلي:
تعليقات
إرسال تعليق