بين نهب الثروات وبناء الإنسان: مقاربة تحليلية لواقع الصحراء الغربية
منذ عام 1975، شكّلت الصحراء الغربية مسرحاً لواحد من أطول النزاعات في القارة الإفريقية. وفي خضم هذا النزاع، تبرز مفارقة صارخة بين سياستين متناقضتين: سياسة مغربية تركز على استغلال الموارد الطبيعية وتهميش العنصر البشري الصحراوي في الأراضي المحتلة، مقابل سياسة تنتهجها جبهة البوليساريو (الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية) تركز على بناء الإنسان الصحراوي رغم شح الإمكانيات وقسوة اللجوء.
السياسة الاستعمارية المغربية: استنزاف الموارد وتهميش الإنسان
يروج الخطاب الرسمي المغربي لنجاحه في تحويل المدن الصحراوية إلى حواضر متطورة، متحدثاً عن استثمارات ضخمة في البنية التحتية. غير أن القراءة المتأنية للواقع تكشف أن هذه الاستثمارات موجهة بالأساس لخدمة آلة استخراج الموارد الطبيعية وتسهيل نقلها، وليس لخدمة السكان الأصليين.
1. نهب الثروات الطبيعية
تُعد الصحراء الغربية غنية بالموارد الطبيعية، وعلى رأسها الفوسفات والثروة السمكية. وتُشير التقارير إلى أن المغرب يجني أرباحاً طائلة من هذه الموارد:
• الفوسفات: يُعد منجم “بوكراع” في الصحراء الغربية من أهم مصادر الفوسفات، حيث يُقدر إنتاجه السنوي بنحو 1.5 إلى 3 ملايين طن، وتتجاوز عائداته مئات الملايين من الدولارات سنوياً
وقد أكدت تقارير دولية أن هذا الفوسفات يُشكل “شريان الحياة المالي للاحتلال المغربي”
• الثروة السمكية: يُعتبر صيد الأسماك في المياه الإقليمية الصحراوية القطاع الرئيسي لنهب الموارد، حيث يتم صيد مئات الآلاف من الأطنان سنوياً، وتُصدّر غالبيتها إلى الأسواق الأوروبية والعالمية
2. التهميش التعليمي والصحي والبنية التحتية
في مقابل هذه الثروات المنهوبة، يعيش الصحراويون في الأراضي المحتلة واقعاً من التهميش الممنهج. فبعد عقود من السيطرة المغربية، تُعاني المنطقة من نقص فادح في البنية التحتية الأساسية الموجهة لخدمة المواطن:
• غياب الجامعات: لا توجد جامعة متكاملة ومستقلة في الصحراء الغربية تُلبي طموحات الشباب الصحراوي، مما يضطرهم للسفر إلى مدن مغربية مثل أكادير ومراكش لمتابعة دراستهم العليا، حيث يواجهون غالباً التمييز والتضييق
• الرعاية الصحية: يفتقر الإقليم إلى مستشفيات جامعية أو مراكز صحية متطورة، مما يُجبر المرضى الصحراويين على تحمل مشقة السفر وتكاليفه الباهظة لتلقي العلاج في المدن المغربية.
• غياب الطرق السريعة: رغم الدعاية المغربية حول تطوير البنية التحتية، تفتقر الصحراء الغربية المحتلة إلى شبكة طرق سريعة (Autoroutes) متكاملة تربط مدنها ببعضها البعض وبشكل يخدم المواطن العادي. المشاريع الطرقية الحالية (مثل كذبة مشروع الطريق السريع تيزنيت-الداخلة ) تُصمم بالأساس لتسهيل حركة الشاحنات التجارية ونقل البضائع والثروات المنهوبة نحو الشمال، وربط الإقليم بالعمق الأفريقي لخدمة الاقتصاد المغربي، أكثر من كونها مشاريع تنموية لرفاهية الصحراويين.
هذا الواقع يعكس سياسة استعمارية كلاسيكية: التركيز على جني الأرباح من المقدرات الطبيعية، مع إبقاء السكان الأصليين في حالة من التبعية والهشاشة، وحرمانهم من فرص التطور العلمي والمهني.
جبهة البوليساريو: الاستثمار في الإنسان رغم قسوة اللجوء
على الضفة الأخرى، وفي مخيمات اللاجئين الصحراويين ، يبرز نموذج مختلف تماماً. فرغم شح الموارد، وقسوة الطبيعة الصحراوية، وظروف اللجوء التي طال أمدها منذ عام 1975، وضعت جبهة البوليساريو “بناء الإنسان” على رأس أولوياتها.
1. ثورة التعليم ومحو الأمية
أدركت القيادة الصحراوية مبكراً أن التعليم هو السلاح الأقوى في معركة التحرير والبناء. وقد نجحت في تحقيق إنجازات لافتة:
• التعليم الإلزامي والمجاني: تم إقرار التعليم الإلزامي لجميع الأطفال في المخيمات، مع التركيز بشكل خاص على تعليم الفتيات، مما أدى إلى القضاء شبه الكامل على الأمية التي كانت متفشية إبان الاستعمار الإسباني
• الابتعاث الخارجي: أطلقت البوليساريو برامج طموحة للابتعاث الخارجي، حيث أرسلت آلاف الطلبة الصحراويين للدراسة في جامعات دول حليفة وصديقة (مثل الجزائر، كوبا، إسبانيا، وغيرها)
2. بناء الكوادر الوطنية
أثمرت سياسة الاستثمار في التعليم عن تخريج آلاف الكوادر الصحراوية المؤهلة في مختلف التخصصات:
• الأطباء والمهندسون
: يزخر المجتمع الصحراوي اليوم بآلاف الأطباء، والمهندسين، والمعلمين، والتقنيين الذين تلقوا تعليمهم العالي وعادوا لخدمة مجتمعهم في المخيمات أو في الأراضي المحررة
• إدارة ذاتية متكاملة: بفضل هذه الكوادر، تمكنت جبهة البوليساريو من بناء مؤسسات دولة متكاملة (الجمهورية الصحراوية) تُدير شؤون اللاجئين بكفاءة، من مستشفيات، ومدارس، وإدارات محلية، متجاوزة بذلك النموذج التقليدي لمخيمات اللجوء التي تُديرها المنظمات الدولية
إن المقارنة بين شطري الصحراء الغربية تكشف عن حقيقتين متناقضتين: الأولى هي أن الإمكانيات المادية الهائلة والثروات الطبيعية لا تصنع تنمية حقيقية إذا كانت خاضعة لمنطق الاستغلال والنهب الاستعماري الذي يُهمّش الإنسان. والثانية هي أن الإرادة السياسية والإيمان بالقضية قادران على بناء مجتمع متعلم ومثقف وكوادر وطنية مؤهلة، حتى في أشد ظروف اللجوء قسوة وانعداماً للموارد.
لقد أثبت الصحراويون أن ثروتهم الحقيقية ليست في الفوسفات أو الأسماك التي تُنهب يومياً، ولا في الطرق التي تُعبد لنقلها، بل في الإنسان الصحراوي الواعي والمثقف الذي يُمثل الضمانة الحقيقية لمستقبل الصحراء الغربية
تعليقات
إرسال تعليق