التخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارك جبال الواركزيز (سبتمبر 1979): نقطة تحول استراتيجية في حرب الصحراء الغربية

 تعتبر حرب الصحراء الغربية (1975-1991) واحدة من أبرز النزاعات المسلحة في شمال إفريقيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد شهدت هذه الحرب العديد من المعارك الفاصلة التي شكلت مسارها، ومن أهمها معارك جبال الواركزيز التي وقعت يومي 16 و17 سبتمبر 1979. تمثل هذه المعارك نقطة تحول استراتيجية وتكتيكية بالغة الأهمية، حيث أظهرت قدرة الجيش الشعبي الصحراوي على نقل المعركة إلى عمق الأراضي المغربية وتغيير موازين القوى على الأرض، مما دفع القيادة العسكرية المغربية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الدفاعية بالكامل.

السياق العسكري والاستراتيجي لعام 1979

شهد عام 1979 تطورات دراماتيكية في مسار النزاع. ففي أغسطس من ذلك العام، انسحبت موريتانيا من الحرب بعد توقيعها اتفاق سلام مع جبهة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية إثر انقلاب عسكري أطاح بنظام المختار ولد داداه 

. هذا الانسحاب سمح للجيش الشعبي الصحراوي بتركيز كامل قوتها العسكرية ضد القوات المسلحة الملكية المغربية.

في هذه الفترة، اعتمد الجيش الشعبي الصحراوي استراتيجية عسكرية تعتمد على حرب العصابات المكثفة والحصار الخانق للحاميات العسكرية المغربية. تم تطبيق حصار محكم على الحاميات المغربية في العديد من المناطق، مما أدى إلى تضييق الخناق عليها وتوقف قوافل الإمدادات البرية والجوية. شمل هذا الحصار مناطق حيوية مثل المحبس، البيرات، أجديرية، التفاريتي، وحوزة. كما تم تطويق منطقة الزاك وتويزكي، وشل حركة معبر لنكاب الاستراتيجي.

هذا الضغط العسكري الهائل أتاح لقوات جيش التحرير الشعبي الصحراوي الفرصة لاستهداف مناطق أكثر عمقاً داخل الأراضي المغربية المعترف بها دولياً، مثل طاطا، آقا، فم الحصن، والمحاميد.

رد الفعل المغربي: حملة “إيمان” وتجنيد القوات

أمام هذا الموقف العملياتي والتكتيكي الحرج، وجد النظام المغربي نفسه مضطراً لاتخاذ إجراءات عاجلة لفك الحصار وتخفيف الضغط عن حامياته. قام المغرب بتجنيد أكثر من 15,000 جندي إضافي، أغلبهم من المناطق الجنوبية الشرقية للبلاد، لتعزيز قواته المتواجدة في الأقاليم الصحراوية.

تم تجميع هذه القوات في ما عُرف بـ “المثلث النافع”، وبدأت التحركات العسكرية لفك الحصار عن الزاك كأولوية أولى، تليها خطة شاملة لإبعاد الضغط عن الحاميات الشمالية في وادي درعة والجنوبية في الساقية الحمراء، وربط الاتصال بالجنوب في حامية وادي الذهب.

شكلت القوات المخصصة لفك الحصار عن الزاك الجزء الأكبر من القوات التي شاركت لاحقاً في حملة “إيمان” العسكرية، والتي تضمنت تشكيلات عسكرية كبرى مثل “الزلاقة”، “الأراك”، و”أحد”.

وقائع معارك جبال الواركزيز (16-17 سبتمبر 1979)

في مواجهة التحركات المغربية، تحركت النواحي العسكرية الصحراوية، بقيادة الناحيتين الأولى والخامسة، لتنفيذ استراتيجية مضادة تعتمد على نصب الكمائن واستدراج القوات المعادية.

لعب الشهيد حمادة محمد الوالي، قائد الناحية العسكرية الخامسة، دوراً محورياً في هذه المعارك بفضل ذكائه التكتيكي ونباهته العسكرية. بدأت العمليات باعتراض القوات المغربية المتقدمة من معبر لنكاب. ثم، وفي مناورة استدراج ناجحة، تم جر القوة المغربية القادمة من تويزكي إلى فخ محكم.

استمرت المعارك الطاحنة في سلسلة جبال الواركزيز الوعرة لمدة يومين متتاليين (16 و17 سبتمبر). أسفرت هذه المواجهات عن تدمير كبير في صفوف القوات المغربية، حيث تم تدمير واغتنام أعداد كبيرة من الدبابات والآليات العسكرية. كما تشير المصادر التاريخية إلى أسر ما يقارب 200 من الجنود والضباط المغاربة خلال هذه المعارك.

التداعيات الاستراتيجية: نحو استراتيجية “الجدار الرملي”

رغم الخسائر الفادحة، استمرت القيادة العسكرية المغربية في تجميع قواتها لحملة “إيمان”، لتتجاوز أعدادها 20,000 جندي في مناطق محاصرة بسلسلة جبال الواركزيز من الشمال، بينما طوقها جيش التحرير الشعبي الصحراوي من الجنوب.

استؤنفت معارك فك الحصار في الأول من مارس 1980، ودارت رحاها لأكثر من شهرين. هذه المعارك الطويلة والمكلفة أقنعت الملك الحسن الثاني والقيادة العسكرية المغربية بعدم جدوى عمليات التمشيط التقليدية في مواجهة تكتيكات حرب العصابات التي يتقنها الجيش الشعبي الصحراوي .

أصبح من الضروري البحث عن حل استراتيجي جديد يضمن تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:

1. عرقلة سرعة اقتحام وهجمات الجيش الشعبي الصحراوي .

2. توفير إمكانية الثبات والدفاع للقوات المغربية التي أنهكتها حرب العصابات.

3. ضمان إيصال الإمدادات بأمان للحاميات العسكرية في الجنوب.

بناءً على نصائح حلفائه العسكريين، تبنى المغرب استراتيجية دفاعية جديدة تتمثل في بناء سلسلة من الأحزمة الدفاعية أو “الجدار الرملي” (The Berm)  بدأ تنفيذ هذه الخطة الضخمة في أغسطس 1980 واستمرت المرحلة الأولى منها حتى نهاية عام 1982، ليصل الحزام الدفاعي من رأس الخنفرة إلى بوجدور، مشكلاً نقطة تحول جذرية في طبيعة الصراع، حيث انتقل من حرب متحركة إلى حرب خنادق واستنزاف طويلة الأمد.

تظل معارك جبال الواركزيز في سبتمبر 1979 علامة فارقة في تاريخ حرب الصحراء الغربية. فقد أثبتت هذه المعارك قدرة الجيش الشعبي الصحراوي على توجيه ضربات موجعة للجيش المغربي في مناطق استراتيجية، وكانت المحفز الرئيسي الذي دفع المغرب لتغيير عقيدته العسكرية في الصحراء واللجوء إلى بناء الجدار الرملي الدفاعي الذي لا يزال قائماً حتى اليوم، مقسماً الإقليم ومحدداً لطبيعة النزاع المستمر✍️ صياغة خاصة من MIJEK MEDIA

  • اعتمادًا على ما نُشر في صفحة المقاتل العربي عبد اللطيف

.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...