في الذكرى الثالثة والخمسين لاندلاع الكفاح المسلح الصحراوي، وفي يوم يستحضر فيه الشعب الصحراوي ذكرى أولى طلقاته ضد الاستعمار، اختار رئيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية أن يُتوِّج رجلاً من طراز نادر، رجلاً عرفته ساحات المعارك قبل أن تعرفه قاعات الدبلوماسية؛ إنه المجاهد محمد لمين البهالي، القائد العسكري الميداني ووزير الدفاع الأسبق وعضو المكتب الدائم للأمانة الوطنية، الذي مُنح وسام 20 ماي في الأول من أيام الذكرى الثالثة والخمسين لانطلاق الثورة الصحراوية.
رجل صنعته المعارك
لا يُمكن الحديث عن محمد لمين البهالي دون استحضار صورة المقاتل الذي أمضى سنوات شبابه في قلب الجحيم، حيث كانت رمال الصحراء الغربية ساحةً للمواجهة بين إرادة شعب يطالب بحريته وآلة عسكرية تحاول سحق هذا الحلم. فقد تولّى محمد لمين البهالي قيادة أكبر ناحية في الجيش الشعبي الصحراوي في أوج مراحل الحرب، حين كانت الظروف في أشد قسوتها وأعقد تحدياتها.
يشهد له رفاق السلاح جميعاً بالشجاعة التي لا تتزعزع، وبالثبات الرزين الذي يُميّز القادة الحقيقيين في لحظات الأزمات. فقد كان البهالي يجمع بين جرأة المقاتل وحكمة القائد، إذ لم يكن يقيس النصر بعدد الأمتار المُستعادة فحسب، بل كان يُقيسه أيضاً بالحفاظ على الإمكانيات والمعدات التي تُمثّل رأس مال الثورة وقدرتها على الاستمرار.
يُروى عنه أنه كان يقول لمقاتليه بحزم لا يقبل المساومة: “لا يمكن أن ننسحب ونترك خلفنا آلية أو معدات، مهما كانت الظروف والتحديات”. هذه العبارة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، تختزل في حقيقتها فلسفة عسكرية عميقة تقوم على أن الانضباط وصون الموارد هما ركيزتا الصمود الطويل في مواجهة عدو يمتلك تفوقاً عددياً وتقنياً.
الانضباط فوق كل اعتبار
ما يُميّز محمد لمين البهالي في سيرته العسكرية ليس فقط شجاعته الميدانية، بل موقفه الراسخ من الانضباط المؤسسي وإعلاء الأوامر القيادية السياسية على الرغبات الشخصية والحماس الفردي. فقد كان محمد لمين البهالي، (ولد البهالي )بحسب ما يُروى عنه، من أشد المقاتلين رفضاً لوقف إطلاق النار الذي أُعلن عام 1991، إذ كان يرى بعين المقاتل الميداني أن الاحتلال المغربي لا يفهم إلا لغة النار والحديد، وأنه لم يخرج قط بمخطط سلام حقيقي.
غير أن هذا الرجل الذي أمضى عمره مقاتلاً، آثر الانصياع للقرار السياسي والالتزام بأوامر القيادة، مُقدِّماً وحدة الصف ومتطلبات المرحلة على رأيه الشخصي. وهو ما يُجسّد أرقى صور الانضباط الثوري: أن تُخالف قناعتك وتُطيع قيادتك، لا خوفاً بل إيماناً بأن المؤسسة أكبر من الفرد، وأن الثورة لا تنتصر إلا بتماسكها.
كان يقول لرفاقه بصراحة الجندي المخضرم: “لولا الانضباط والالتزام بالأوامر القيادية السياسية، ما قبلنا أبداً وقف إطلاق النار”. هذه الشهادة الصادقة تكشف عن عمق وعيه السياسي وإدراكه أن الحرب والسلم وجهان لعملة واحدة اسمها الاستراتيجية، وأن القائد الحقيقي هو من يعرف متى يُقاتل ومتى يُفاوض.
وسام مستحق عن جدارة
جاء منح وسام 20 ماي للمجاهد محمد لمين البهالي في سياق احتفالية الذكرى الثالثة والخمسين لاندلاع الكفاح المسلح الصحراوي، وهو اليوم الذي نفّذت فيه الطلائع الأولى من المقاتلين الصحراويين أول عملية عسكرية ضد الاستعمار الإسباني في 20 ماي 1973، لتُؤسّس بذلك لمسيرة نضالية طويلة لا تزال مستمرة حتى اليوم.
ويُعدّ هذا الوسام من أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية تقديراً للجهود الاستثنائية في خدمة قضية الشعب الصحراوي، وهو تكريم يأتي عرفاناً لتاريخ رجل قضى عقوداً في خدمة القضية الوطنية، من ساحات المعارك إلى كراسي المسؤولية، حيث تولّى لاحقاً حقيبة وزارة الدفاع قبل أن يُصبح عضواً في المكتب الدائم للأمانة الوطنية للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب.
وقد أجمع المقاتلون الصحراويون وكل من عرف محد لمين البهالي (ولد البهالي )عن قرب على أن هذا التكريم جاء في محله تماماً، وأنه يُعبّر عن اعتراف مؤسسي حقيقي بمسيرة رجل لم يبحث يوماً عن الأضواء، بل آثر أن يكون في الصفوف الأمامية حيث تُصنع الانتصارات لا حيث تُحتفل بها.
ذاكرة حية للثورة
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشعب المسارات، يبقى رجال من طراز محمد لمين البهالي ذاكرةً حيّة للثورة الصحراوية، يحملون في صدورهم تفاصيل معارك لم تُدوَّن كلها في الكتب، ويختزنون في تجاربهم دروساً لا تُعلَّم في الأكاديميات العسكرية. إنهم الجيل الذي دفع ثمن الحرية من دمه وعرقه وسنوات شبابه، ليُورث الأجيال القادمة حقاً مشروعاً في أرض لا تزال تنتظر تحررها الكامل.
يُشير تكريم محمد لمين البهالي (ولد البهالي )بوسام 20 ماي إلى أن الجمهورية الصحراوية تُدرك قيمة رجالها الذين بنوا لبناتها الأولى، وأن الوفاء للتاريخ ليس مجرد خطاب، بل ممارسة فعلية تتجسّد في الاعتراف بمن أعطوا كل شيء دون أن يطلبوا شيئاً.
وكما قال أحد رفاقه في التعليق على هذا التكريم: “إن القيادة التي يحظى بها اليوم ليست لمنصبه ولا لصلة عابرة، بل هي لمكانته الراسخة في قلوب الصحراويين، وهي قيادة يحسده عليها الكثيرون، لأنها ثمرة سنوات طويلة من التضحية والبطولات في ساحات الشرق والمتاه”.
في الذكرى الثالثة والخمسين لانطلاق الكفاح المسلح الصحراوي، يبقى محمد لمين البهالي (ولد البهالي)رمزاً للجندي الذي لا يُقاتل طمعاً في وسام، لكنه يستحق كل وسام.
تعليقات
إرسال تعليق