مقدمة
تُعد القضية الصحراوية واحدة من أقدم النزاعات في القارة الإفريقية والعالم، حيث تمتد جذورها إلى حقبة تصفية الاستعمار الإسباني في منتصف سبعينيات القرن العشرين. ورغم مرور عقود على اندلاع النزاع، لا تزال السرديات المتضاربة تشكل عائقاً أمام الفهم الدقيق لطبيعة الصراع وأطرافه الحقيقية. تحاول السردية الرسمية المغربية حصر النزاع في مواجهة ثنائية بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، مصورةً الأخيرة كمجموعة معزولة في مخيمات تندوف، في محاولة لتجريد القضية من عمقها الشعبي والتاريخي. يهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه السردية، وتسليط الضوء على الأطراف الحقيقية للصراع، مؤكداً أن النزاع هو في جوهره مواجهة بين احتلال عسكري وشعب بأكمله يسعى لتقرير مصيره.
السردية المغربية: محاولة اختزال الصراع
تعتمد الآلة الإعلامية والدبلوماسية المغربية استراتيجية ممنهجة لتقزيم القضية الصحراوية، وذلك من خلال التركيز المستمر على “مخيمات اللاجئين ” والمطالبة بإحصاء اللاجئين فيها. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق عدة أهداف سياسية:
أولاً،
تصوير النزاع كخلاف إقليمي، فمن خلال التركيز على البوليساريو والجزائر، يحاول المغرب تصوير القضية كنزاع حدودي أو جيوسياسي بين دول الجوار، وليس كقضية تصفية استعمار
. ثانياً، تجريد البوليساريو من شرعيتها، عبر وصف الجبهة بـ”الانفصاليين” أو “الميليشيات”، ويسعى المغرب لنزع صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي التي تحظى بها الجبهة دولياً
ثالثاً، تغييب الشعب الصحراوي، فمن خلال حصر الحديث في “مجموعة قليلة” في المخيمات، يتم تجاهل الوجود الديموغرافي والسياسي للصحراويين في المناطق المحتلة والشتات.
الأطراف الحقيقية للصراع
خلافاً للسردية المغربية، تؤكد الوقائع التاريخية والقانونية والسياسية أن أطراف الصراع تتجاوز بكثير مجرد مواجهة بين حكومة وجبهة مسلحة. الأطراف الحقيقية تتجسد في:
1. الاحتلال المغربي
يمثل المغرب الطرف الذي يفرض سيطرته العسكرية والإدارية على أجزاء واسعة من إقليم الصحراء الغربية منذ عام 1975، في خطوة لا تعترف بها الأمم المتحدة التي لا تزال تصنف الإقليم ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. وتوثق تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، استمرار السلطات المغربية في قمع الناشطين الصحراويين والمدافعين عن حقوق الإنسان في المناطق المحتلة، مما يؤكد طبيعة السيطرة القائمة على القوة.
2. الشعب الصحراوي (الطرف الأصيل)
الشعب الصحراوي هو صاحب الحق الأصيل في تقرير المصير، وهو ليس محصوراً في بقعة جغرافية واحدة، بل يتوزع على ثلاث جبهات رئيسية تشكل مجتمعة جسد المقاومة والصمود.
في المناطق المحتلة، يواجه الصحراويون في مدن مثل العيون والداخلة والسمارة قمعاً مستمراً، ويشكلون جبهة المقاومة السلمية والمدنية. خروج الآلاف في مظاهرات مطالبة بالاستقلال يؤكد رفضهم للأمر الواقع
أما في مخيمات اللاجئين الصحراويين بالجزائر، فتستضيف هذه المخيمات حوالي 173,000 لاجئ صحراوي، وفقاً لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. تمثل هذه المخيمات القاعدة الخلفية للمقاومة ومقر مؤسسات الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
بالإضافة إلى ذلك، يتواجد عشرات الآلاف من الصحراويين في الشتات، خاصة في إسبانيا وموريتانيا ودول أوروبية أخرى. يلعب الشتات دوراً حيوياً في الدبلوماسية الشعبية ونقل معاناة الشعب الصحراوي إلى المحافل الدولية.
3. جبهة البوليساريو (الممثل الشرعي)
تأسست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) عام 1973 لمقاومة الاستعمار الإسباني، ثم واصلت كفاحها ضد الاحتلال المغربي. لا تمثل البوليساريو فصيلاً معزولاً، بل هي حركة تحرر وطني تعترف بها الأمم المتحدة كممثل شرعي ووحيد للشعب الصحراوي. إن محاولة الفصل بين البوليساريو والشعب الصحراوي هي محاولة لتفكيك الإطار التنظيمي والسياسي الذي يوحد نضال الصحراويين في مختلف أماكن تواجدهم.
الموقف الأممي والقانون الدولي
يؤكد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة بوضوح على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. وتصدر الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن قرارات دورية تؤكد على هذا الحق غير القابل للتصرف. إن تصنيف الصحراء الغربية كإقليم ينتظر تصفية الاستعمار يدحض السردية التي تعتبره نزاعاً داخلياً أو إقليمياً، ويؤكد أن الطرف الأساسي في المعادلة هو الشعب الصحراوي وحقه في اختيار مستقبله السياسي بحرية.
إن اختزال الصراع في الصحراء الغربية في مواجهة بين النظام المغربي والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو)هو تبسيط مخل يخدم أجندة الاحتلال في طمس الهوية الوطنية الصحراوية. الحقيقة الساطعة هي أن الصراع يدور بين قوة احتلال تسعى لفرض سيطرتها بالقوة، وشعب بأكمله - في المناطق المحتلة، ومخيمات اللجوء، والشتات - يرفض الاستسلام ويتمسك بحقه التاريخي والقانوني في تقرير المصير والاستقلال. إن أي حل عادل ودائم يجب أن ينطلق من الاعتراف بهذه الحقيقة، وبمشاركة الشعب الصحراوي عبر ممثله الشرعي في تقرير مصيره.
تعليقات
إرسال تعليق