مقدمة
تُعد جامعة الدفاع الوطني الإيرانية (بالفارسية: دانشگاه و پژوهشگاه عالی دفاع ملی و تحقیقات راهبردی، وتُعرف اختصاراً بـ “داعا”) المؤسسة الأكاديمية العسكرية الأبرز في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والمسؤولة عن صياغة الفكر الاستراتيجي وتأهيل النخبة القيادية في البلاد. تأسست الجامعة في عام 1992 تحت اسم “جامعة العلوم الاستراتيجية”، ثم أُعيد هيكلتها في عام 2002 لتصبح تابعة مباشرة لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية.
تتميز هذه الجامعة بدورها الفريد الذي يتجاوز التعليم العسكري التقليدي، حيث تهدف إلى دمج الرؤى العسكرية والمدنية لإنتاج قادة قادرين على إدارة الأزمات المعقدة وصياغة استراتيجيات الأمن القومي. من خلال برامج الدكتوراه المتخصصة، تعمل الجامعة على ترسيخ العقيدة العسكرية الإيرانية، وتحديداً مبدأ “الدفاع الشامل” و”الدفاع الأمامي”، مع التركيز على تعزيز قوة “محور المقاومة” في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
الهيكل التنظيمي والبرامج الأكاديمية
تخضع جامعة الدفاع الوطني لإدارة مجلس أمناء يترأسه رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، ويديرها حالياً العميد إسماعيل أحمدي مقدم. تتكون الجامعة من ثلاث كليات رئيسية، بالإضافة إلى معاهد بحثية متخصصة، تقدم برامج على مستوى الدكتوراه.
الكلية الأولى هي كلية الأمن القومي، والتي تركز على تخصصات الأمن الداخلي، وتهديدات الأمن القومي، ودراسات الأمن القومي. الكلية الثانية هي كلية الدفاع الوطني، وتُعنى بمجالات الدفاع الوطني، والسياسة الدفاعية، والفكر العسكري. أما الكلية الثالثة فهي كلية الإدارة الاستراتيجية، وتقدم برامج في الإدارة الاستراتيجية، وإدارة المعرفة، والدراسات المستقبلية، والإدارة العسكرية، والدفاع السلبي.
تُركز المناهج الدراسية على دمج العلوم العسكرية التطبيقية مع الإدارة الاستراتيجية، وتُعنى بشكل خاص بمجالات حديثة مثل الأمن السيبراني والدفاع السلبي، وهو مفهوم يهدف إلى تقليل قابلية تأثر البنية التحتية الإيرانية بالهجمات الخارجية.
شروط القبول: انتقاء النخبة
لا تقتصر جامعة الدفاع الوطني على العسكريين فحسب، بل تفتح أبوابها للمسؤولين المدنيين رفيعي المستوى، مما يعكس استراتيجية إيران في توحيد الرؤية بين القيادتين العسكرية والسياسية. تتطلب شروط القبول معايير صارمة تضمن ولاء وكفاءة المتقدمين.
من أهم هذه الشروط الولاء الأيديولوجي، حيث يُشترط الإيمان العميق بمبادئ الثورة الإسلامية ومبدأ “ولاية الفقيه”. كما يُشترط في المتقدمين من القوات المسلحة (الجيش أو الحرس الثوري) أن يحملوا رتبة عقيد فما فوق. أما بالنسبة للمتقدمين المدنيين، فيجب أن يكونوا من كبار مسؤولي الدولة العاملين في مجالات ذات صلة بالدفاع والأمن القومي. أكاديمياً، يُشترط الحصول على درجة الماجستير أو ما يعادلها من الدراسات الحوزوية المعتمدة.
دور الجامعة في صياغة العقيدة العسكرية والاستراتيجية
تلعب جامعة الدفاع الوطني دوراً محورياً في تطوير وتحديث العقيدة العسكرية الإيرانية. في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، ركزت أبحاث الجامعة ومؤتمراتها على مفهوم “هندسة النظام العالمي الجديد”.
في مؤتمر عُقد بالجامعة في مايو 2023، أكد كبار القادة الإيرانيين، بناءً على توجيهات المرشد الأعلى علي خامنئي، على ضرورة استغلال التحولات العالمية (مثل تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود قوى مثل الصين وروسيا) لتعزيز مكانة إيران و”جبهة المقاومة”. تُدرّس الجامعة استراتيجيات “الحرب الهجينة” و”الدفاع الأمامي”، والتي تعتمد على استخدام القوات الوكيلة، والطائرات المسيرة، والقدرات السيبرانية لنقل المعركة خارج الحدود الإيرانية وتجنب الصراع المباشر على الأراضي الإيرانية.
خريجون بارزون: قادة المشهد الإيراني
أنتجت جامعة الدفاع الوطني نخبة من أبرز صناع القرار في إيران، الذين تولوا مناصب حساسة في المؤسستين العسكرية والمدنية، مما يثبت نجاح الجامعة في مهمتها كـ “مصنع للقادة”.
من أبرز هؤلاء الخريجين أحمد وحيدي، وزير الداخلية السابق (2021-2024)، ووزير الدفاع الأسبق، والقائد الأسبق لفيلق القدس. شغل أيضاً منصب رئيس جامعة الدفاع الوطني (2016-2021)، ويشغل حالياً منصب القائد العام للحرس الثوري الإيراني.
كما تخرج منها حسين دهقان، وزير الدفاع الأسبق (2013-2017) والمستشار العسكري للمرشد الأعلى، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الإدارة العامة من الجامعة.
ومن بين الخريجين البارزين أيضاً أمير حاتمي، وزير الدفاع الأسبق (2017-2021) والقائد العام الحالي لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية (أرتش)، والذي يُعد من أبرز خريجي الجامعة الذين يمثلون الجيش النظامي.
تُمثل جامعة الدفاع الوطني الإيرانية العقل المدبر والمختبر الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية. من خلال جمعها بين كبار الضباط من الحرس الثوري والجيش النظامي، جنباً إلى جنب مع كبار المسؤولين المدنيين، تضمن الجامعة توحيد الرؤية الاستراتيجية للدولة. إن تركيزها على العقيدة الأيديولوجية، والدفاع الشامل، والحروب غير المتماثلة، يجعلها أداة حيوية في سعي إيران لتعزيز نفوذها الإقليمي والتكيف مع التحديات الأمنية في نظام عالمي متغير.
تعليقات
إرسال تعليق