شكلت حرب الصحراء الغربية واحدة من أبرز النزاعات المسلحة في القارة الإفريقية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تداخلت فيها العوامل الإقليمية والدولية في سياق الحرب الباردة. وفي خضم هذه المواجهة العسكرية بين الجيش المغربي وجيش التحرير الشعبي الصحراوي التابع ذراع العسكرية لدولة الصحراوية ، برزت آلة الدعاية كأداة رئيسية في إدارة الصراع. ومن أبرز السرديات التي روجت لها تلك الدعاية، الزعم بوجود مقاتلين أجانب من كوبا وفيتنام ودول المعسكر الشرقي يقاتلون في صفوف الجيش الشعبي الصحراوي . يسلط هذا المقال الضوء على جذور هذه الدعاية، والسياق التاريخي الذي أفرزها، وتفنيدها استناداً إلى الوقائع الميدانية والشهادات التاريخية.
من أين بدأت الكذبة؟
بنى النظام المغربي استراتيجيته في بداية النزاع على فرضية أن السيطرة على الصحراء الغربية ستكون عملية عسكرية سريعة وسهلة، وأن الشعب الصحراوي وأرضه ليسا سوى غنيمة يمكن تقاسمها. غير أن الواقع الميداني كشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ إذ واجه الجيش المغربي مقاتلين صحراويين متمرسين على حرب العصابات، يتمتعون بمعرفة دقيقة بتضاريس المنطقة وقدرة عالية على التحمل، علمتهم الصحراء على الشجاعة والعناد، ولا يعرفون الاستسلام.
في أولى المواجهات الميدانية، تفاجأت القيادة العسكرية المغربية، وعلى رأسها الجنرال أحمد الدليمي، بالقدرات القتالية لجيش التحرير الشعبي الصحراوي وشجاعته. وعندما رُفعت التقارير إلى الملك الحسن الثاني حول شراسة المقاومة، جاء الرد بتصعيد العمليات العسكرية لتشمل قصف مخيمات النازحين الصحراويين، كمخيم أم الدريكة، في محاولة للضغط النفسي وكسر إرادة السكان المدنيين.
السياق الدولي: الحرب الباردة وتواطؤ القوى الاستعمارية
وقعت قضية الصحراء الغربية في قلب مرحلة دقيقة من التاريخ المعاصر، حيث كان العالم يعيش انقسام الحرب الباردة، وكان الاستعمار الإسباني يعيش آخر أيامه في إفريقيا. تواطأت عدة أطراف، إسبانيا والمغرب وموريتانيا وفرنسا والولايات المتحدة، على حرمان الشعب الصحراوي من حقه في تقرير المصير، خشية من بروز كيان مستقل قد يغير موازين القوى في المنطقة. وقد أفضى هذا التواطؤ إلى توقيع اتفاقية مدريد الثلاثية في نوفمبر من عام خمسة وسبعين وتسعمائة وألف، التي سلمت بموجبها إسبانيا الإقليم للمغرب وموريتانيا، لكن هذا الاتفاق لم ينهِ الحرب، بل فتح فصلاً أعنف من المواجهة.
صناعة الكذبة: من الداخل إلى الخارج
أمام الخسائر العسكرية غير المتوقعة وصعوبة حسم المعركة، بدأت الآلة الإعلامية والدبلوماسية المغربية في نسج رواية بديلة. تمحورت هذه الرواية حول الادعاء بأن المغرب لا يواجه مقاتلين صحراويين، بل يواجه تحالفاً عسكرياً يضم قوات جزائرية وكوبية وفيتنامية، مدعومة من المعسكر الشرقي بأسره.
خدمت هذه السردية أهدافاً مزدوجة؛ فعلى الصعيد الداخلي، استُخدمت لتبرير طول أمد الحرب والخسائر البشرية والمادية الكبيرة أمام الرأي العام المغربي، وتصوير النزاع كدفاع عن حوزة الوطن ضد مؤامرة دولية. أما على الصعيد الخارجي، فقد استُغل مناخ الحرب الباردة لاستدرار الدعم العسكري والمالي والسياسي من الدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة وفرنسا، عبر تقديم المغرب باعتباره حائط صد أمام التمدد الشيوعي في شمال إفريقيا.
معركة كلتة زمور: لحظة الانكشاف
تُعدّ معركة كلتة زمور في أكتوبر1981 نقطة تحول مفصلية في مسار الحرب، ومحطة رئيسية في توظيف الدعاية المغربية. في هذه المعركة، شن مقاتلو الجيش الشعبي الصحراوي هجوماً واسعاً على الحامية المغربية، مستخدمين أسلحة ثقيلة شملت الدبابات وصواريخ أرض-جو. أسفرت المعركة عن هزيمة قاسية للجيش المغربي، حيث تم إسقاط اكثر من خمسة طائرات حربية مغربية، من بينها طائرة نقل من طراز سي-مائة وثلاثين ومقاتلات أخرى، وتكبّد الجيش المغربي نحو مائتي قتيل 230 أسير.
أمام هذه الهزيمة الاستراتيجية، كثّف الملك الحسن الثاني من حملته الدبلوماسية، مدعياً أمام حلفائه الغربيين أن الأسلحة المتطورة التي استخدمتها الجيش الشعبي الصحراوي تؤكد تدخلاً مباشراً من قوى المعسكر الشرقي. وقد ساهمت بعض وسائل الإعلام الغربية في ترويج هذه الرواية، انطلاقاً من منطق الاستقطاب الذي ميّز الحرب الباردة، حيث صُوِّر المغرب حليفاً للغرب والبوليساريو أداةً للشرق.
الإعلام الغربي وتدويل الكذبة
ساهمت بعض وسائل الإعلام الغربية في ترويج الرواية المغربية، انطلاقاً من منطق الحرب الباردة الذي يجعل من كل حركة تحرر وطني في العالم الثالث مجرد امتداد للنفوذ السوفيتي. غير أن تقارير عديدة، بما فيها كتابات إسبانية ولبنانية، إضافة إلى شهادات أسرى وضباط، كشفت زيف هذه الرواية، مؤكدةً أن ما واجهه المغرب كان جيشاً شعبياً صحراوياً خالصاً، لا علاقة له بأي قوة أجنبية.
أين الأدلة؟
رغم الترويج الواسع لرواية المقاتلين الأجانب، إلا أن الوقائع الميدانية والأدلة التاريخية أسقطت هذه المزاعم إسقاطاً تاماً. فخلال أكثر من 16 سنة من الحرب وآلاف العمليات العسكرية، لم يقدم المغرب دليلاً مادياً واحداً يثبت وجود مقاتلين كوبيين أو فيتناميين في صفوف الجيش الشعبي الصحراوي . فعند الإفراج عن الأسرى الصحراويين لم يكن بينهم أي أجنبي، ولم تُعرض جثة واحدة ولا وثيقة واحدة تثبت مشاركة قوات أجنبية في القتال المباشر. وقد أكدت شهادات الأسرى والضباط المغاربة أنفسهم، فضلاً عن تقارير المراسلين الأجانب، أن القوة المقاتلة كانت صحراوية خالصة.
الحقيقة التي لا تُخفى
لقد شكّلت أسطورة المقاتلين الأجانب أداة دعائية محورية في استراتيجية النظام المغربي لإدارة حرب الصحراء الغربية. كانت محاولة للتغطية على الإخفاقات العسكرية الميدانية وأخف عقدة الهزيمة ، وتبرير استنزاف الموارد الوطنية، واستقطاب الدعم الغربي في سياق الحرب الباردة. غير أن حقائق التاريخ تؤكد أن ما هزم الجيش المغربي لم يكن المعسكر الشرقي ولا جيوشه، بل كان المقاتل الصحراوي ابن البادية، الذي صاغته الصحراء على الكرامة والعناد والمقاومة، وأثبت أن إرادة الشعوب لا تُكسر بالدعاية ولا بالتزوير.
شكرا على هذا للمعلومات
ردحذف