ثاباتيرو قاد شبكةً إجرامية”.. هكذا عنونت إحدى أبرز الصحف الإسبانية صفحتها الأولى، بعدما وجّه القضاء الإسباني لرئيس الوزراء الأسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو تهماً تتعلق بالتنظيم الإجرامي، واستغلال النفوذ، وتزوير الوثائق، وتبييض الأموال. الرجل الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز الأصوات المدافعة عن النظام المغربي داخل إسبانيا، يجد نفسه اليوم في قلب فضيحة سياسية وقضائية تهزّ البلاد، وتفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقات التي تربط بعض السياسيين الإسبان بالرباط.
في خضم هذه الزوبعة السياسية، يبرز اسم الشاب الصحراوي الطالب علي سالم كأحد الأصوات المؤثرة التي طالما حذرت من هذه الشبكات. من خلال حضوره القوي في الإعلام الإسباني، لم يكتفِ علي سالم بتسليط الضوء على قضية الصحراء الغربية، بل ذهب أبعد من ذلك ليكشف عن آليات التغلغل المغربي في المؤسسات الإسبانية، متهماً شخصيات بارزة، وعلى رأسهم ثاباتيرو، بمحاولة تبييض وجه الاحتلال المغربي مقابل امتيازات مادية.
سقوط ثاباتيرو: من رئاسة الحكومة إلى قفص الاتهام
في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الديمقراطية الإسبانية، استدعت المحكمة الوطنية الإسبانية رئيس الوزراء الأسبق ثاباتيرو للمثول أمامها كمتهم في قضية فساد كبرى تُعرف إعلامياً بـ قضية بلاس ألترا. تتمحور القضية حول خطة إنقاذ حكومية ضخمة مُنحت لشركة الطيران بلاس ألترا خلال جائحة كورونا في مارس 2021، وهي شركة صغيرة ذات أسهم مرتبطة بشخصيات مقربة من النظام الفنزويلي، مما أثار شكوكاً واسعة منذ البداية حول مبررات الإنقاذ الحكومي لها.
ومع تعمق التحقيقات، التي شملت تعاوناً قضائياً مع فرنسا وسويسرا، برزت فرضية خطيرة مفادها أن أموال الإنقاذ استُخدمت لغسيل أموال قادمة من فنزويلا عبر شبكة معقدة من الشركات الوهمية. وهنا ظهر اسم ثاباتيرو بقوة، حيث كشفت رسائل ومكالمات مسربة بين المتورطين عن الاعتماد عليه وسيطاً للوصول إلى دوائر القرار في الحكومة الإسبانية الحالية، مستغلاً نفوذه وعلاقاته الواسعة. وقد أدت هذه التطورات إلى قيام وحدة الجرائم الاقتصادية والمالية التابعة للشرطة الإسبانية بتفتيش مكتبه وشركة إعلانات تملكها بناته، بحثاً عن أدلة تثبت تورطه في تلقي عمولات مقابل تسهيل حصول الشركة على الدعم الحكومي.
الطالب علي سالم: صوت صحراوي يفضح شبكات النفوذ
لم تكن هذه الفضيحة مفاجئة للمتابع الدقيق للشأن الإسباني-المغربي، وعلى رأسهم الناشط والمحلل السياسي الصحراوي الطالب علي سالم. الشاب الذي وُلد في مخيمات اللاجئين الصحراويين وانتقل إلى إسبانيا في سن العاشرة، تحول إلى رقم صعب في المعادلة الإعلامية الإسبانية، مستثمراً معرفته العميقة بالسياسة الإسبانية وخباياها التي اكتسبها خلال أكثر من خمسة وعشرين عاماً من الإقامة والنضال.
من خلال مقالاته ومقابلاته التلفزيونية في وسائل إعلام إسبانية بارزة، ركز علي سالم على فضح ما يصفه بالشبكات الاستخباراتية والدبلوماسية التي يديرها المغرب في إسبانيا وأوروبا. وفي مقابلة حديثة مع صحيفة The European Conservative، أكد أن دعم بعض السياسيين الإسبان للمغرب، أمثال ثاباتيرو وفيليبي غونزاليس وخوسيه بونو، ليس مبنياً على قناعات سياسية، بل على امتيازات وعطايا مادية محضة، مستشهداً بأن فيليبي غونزاليس يمتلك قصراً في المغرب، وأن ثاباتيرو يسافر إلى الرباط لإلقاء خطابات مدفوعة الأجر بسخاء.
“إن تسليم بيدرو سانشيز للصحراء الغربية لم يكن مجرد تحول دبلوماسي، بل كان استسلاماً. ولم يكن الأول. فيليبي غونزاليس يمتلك قصراً في المغرب. ثاباتيرو يسافر إلى الرباط لإلقاء خطابات مدفوعة الأجر بسخاء. وكذلك يفعل خوسيه بونو. وهناك ما لا نعرفه: ما الذي يمتلكه المغرب ليضغط به على الحكومة الإسبانية؟ الكثير منا يشتبه في أن برنامج التجسس بيغاسوس هو جزء من الإجابة.” — الطالب علي سالم
ويُقيم علي سالم مقارنة جوهرية بين هذا الدعم المدفوع الأجر للمغرب، وبين الدعم الذي يتلقاه الشعب الصحراوي، والذي يرتكز أساساً على التعاطف مع مظلوميته وعدالة قضيته، بعيداً عن أي مصالح مادية. هذا التمييز الحاد يكشف عن بنية الفساد التي يُشخّصها علي سالم في المشهد السياسي الإسباني، ويُفسر لماذا يُشكّل وجوده الإعلامي تهديداً حقيقياً لمنظومة النفوذ المغربي.
المساجد والهجرة: أسلحة المغرب الناعمة
لم يقتصر نقد الطالب علي سالم على السياسيين، بل امتد ليشمل استراتيجيات المغرب للسيطرة على الجالية المسلمة في إسبانيا. فقد سلط الضوء على كيفية استخدام السلطات المغربية للمساجد أدواتٍ للسيطرة السياسية والاستخباراتية، مؤكداً أن المغرب يتحكم في تعيين الأئمة وتمويلهم، بل ويرسل خطب الجمعة عبر البريد الإلكتروني من الرباط، مما يمنحه القدرة على تفعيل التطرف أو تعطيله حسب إرادته وأهدافه السياسية. وتُشير التقارير المستقلة إلى أن المغرب يمول ويسيطر على عشرات المساجد في إسبانيا، بهدف الحفاظ على ارتباط جاليته الكبيرة بادرته الاستخباراتية و صياغة الخطاب الديني بما يخدم مصالحه الجيوسياسية.
علاوة على ذلك، يتهم علي سالم المغرب باستخدام الهجرة سلاحاً سياسياً لابتزاز الحكومات الأوروبية، وخاصة الإسبانية. ويرى أن أحداث العنف التي يتورط فيها بعض المهاجرين المغاربة في إسبانيا ليست حوادث معزولة، بل أعراض لاستراتيجية متعمدة للضغط الدبلوماسي والاقتصادي والاجتماعي. ويربط هذه الاستراتيجية بمنظومة أشمل تجمع بين المخدرات والهجرة غير النظامية والشبكات الدينية، كلها أدوات في يد المخزن المغربي لتحقيق أهداف جيوسياسية بعيدة المدى.
حين تتقاطع الشجاعة مع الحقيقة
إن قضية ثاباتيرو والاتهامات الخطيرة الموجهة إليه لا تمثل مجرد فضيحة فساد عابرة، بل تفتح صندوق باندورا حول طبيعة العلاقات الخفية التي تحكم السياسة الإسبانية تجاه جيرانها الجنوبيين. وفي هذا السياق، يبرز دور شخصيات مثل الطالب علي سالم، الذي استطاع بشجاعته وحضوره الإعلامي المتصاعد أن يكسر حاجز الصمت، ويسلط الضوء على آليات النفوذ المغربي في إسبانيا.
الفارق الجوهري الذي يُبرزه علي سالم يظل صرخة في وجه الانتهازية السياسية: داعمو المغرب يفعلون ذلك طمعاً في المال والامتيازات، أما داعمو الشعب الصحراوي فيفعلون ذلك لأن الحق لا يحتاج إلى ثمن. وهذه الحقيقة البسيطة، التي يُعبر عنها شاب نشأ في مخيمات اللاجئين ليصبح صوتاً مسموعاً في عواصم القرار الأوروبية، هي ربما أبلغ رد على كل من يتساءل لماذا تبقى قضية الصحراء الغربية حية رغم كل محاولات التهميش والإسكات.
تعليقات
إرسال تعليق