مقدمة
تُعدّ مواقف المثقفين والأكاديميين تجاه القضايا العادلة مقياساً حقيقياً لمدى التزامهم بالمبادئ الأخلاقية التي ينادون بها. فالمثقف الحقيقي لا يختار قضاياه وفق مصالحه أو وفق سياسات الجهة التي تحتضنه، بل يحكّم ضميره وعقله ويقيس الأمور بمعيار واحد ثابت، هو معيار الحق والعدل. غير أن الواقع يكشف في كثير من الأحيان أن بعض النخب الفكرية تنزلق إلى فخ الازدواجية، فتتبنى مبادئ راسخة في قضية بعينها، ثم تتخلى عنها بكل يسر حين تتعارض مع مصالح أو توجهات سياسية تخدمها. ومن أبرز النماذج على هذه الازدواجية في الخطاب الفكري العربي المعاصر، الأكاديمي والكاتب الموريتاني محمد المختار الشنقيطي، الذي يقيم ويعمل في قطر، ويُعدّ من أكثر الأصوات حضوراً على شاشات الجزيرة وفي الكتابات السياسية المتداولة على الفضاء الرقمي.
الصوت الفلسطيني: خطاب المبادئ والتحرر
لا يختلف اثنان على أن القضية الفلسطينية هي قضية شعب يرزح تحت احتلال استيطاني، وأن الدفاع عنها واجب أخلاقي وإنساني. وقد دأب الشنقيطي على التعبير عن دعم مطلق وغير مشروط لهذه القضية، مؤكداً أنها القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية. يرى في خطابه أن القضية الفلسطينية ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية كل مسلم وكل إنسان حر، لأن عدو الفلسطيني هو عدو الأمة بأسرها. وقد وقف الشنقيطي مع غزة في أحلك لحظاتها، وبشّر بانتصارها واستقلالها، واعتبر ما يجري فيها نموذجاً للمقاومة المشروعة في وجه الاستعمار الاستيطاني. هذا الموقف يستند إلى مبادئ راسخة في القانون الدولي وحقوق الإنسان، وهي مبادئ تقوم على حق الشعوب في تقرير مصيرها والتحرر من الاحتلال.
الصمت عن الصحراء أو الانحياز ضدها
بيد أن المشهد يتبدل جذرياً حين ننتقل إلى القضية الصحراوية. فالشعب الصحراوي الذي تعترف الأمم المتحدة بحقه في تقرير المصير، والذي تُصنّف قضيته رسمياً ضمن قضايا تصفية الاستعمار، لا يجد في الشنقيطي مدافعاً ولا منصفاً، بل يجد فيه خصماً يسعى إلى تبرير إلغاء قضيته وطمس هويته. وقد برز هذا الموقف بجلاء حين هاجم الشنقيطي هجوماً عنيفاً رئيسَ حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية الموريتاني، لمجرد أنه استقبل وزير خارجية جبهة البوليساريو. ووصف الشنقيطي هذا اللقاء بأنه “زلة سياسية شنيعة” و”مجازفة استراتيجية غير محسوبة”، مطالباً بتصحيحه، ومعتبراً إياه إساءة إلى علاقات موريتانيا بالمملكة المغربية التي وصفها بأنها “العمق الاستراتيجي والتاريخي والثقافي لموريتانيا”.
ولم يكتفِ الشنقيطي بهذا الهجوم، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين طعن في حق الشعب الصحراوي ذاته، مدّعياً أن القول بأن هذا الشعب يريد الاستقلال هو “مجازفة في القول وادعاء بغير بينة”. وطالب إسلاميي موريتانيا بعدم “التعلق بأذيال قضية خاسرة”، داعياً إلى ضم الصحراء للمغرب نهائياً باعتبار ذلك مصلحة موريتانيا الاستراتيجية. ثم جاء مؤخراً ليُشيد بقرار مجلس الأمن الدولي الداعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي، معتبراً إياه “خطوة جدية لحل القضية حلاً يفوز فيه الجميع”، في تجاهل تام لصوت الشعب الصحراوي وحقه في الاختيار.
التناقض الصارخ: بمكيالين لا بمكيال واحد
إن المتأمل في هذين الموقفين المتناقضين يجد نفسه أمام سؤال لا مفر منه: كيف يمكن لمفكر يرفع راية حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، أن يسعى في الوقت ذاته إلى إسقاط هذا الحق عن الشعب الصحراوي؟ كيف يُجرّم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين بكل ما أوتي من فصاحة وحجج، ثم يُبرر الاحتلال المغربي للصحراء الغربية بذرائع “الواقعية السياسية” و”المصلحة”؟
الجواب لا يكمن في اختلاف طبيعة القضيتين، فكلتاهما قضية شعب يطالب بحقه في أرضه وهويته وتقرير مصيره، وكلتاهما تحظى بشرعية دولية معترف بها. الجواب يكمن في مكان آخر، وهو السياق الذي يعيش فيه الشنقيطي ويُنتج فيه خطابه.
الظل القطري: حين تتحكم الجغرافيا السياسية في الفكر
يعمل محمد المختار الشنقيطي أستاذاً في جامعة حمد بن خليفة في قطر، وهو وجه مألوف على شاشة الجزيرة، مقالات منتظم على موقعها. وقطر دولة لها سياسة خارجية واضحة المعالم في كلتا القضيتين. على صعيد القضية الفلسطينية، تحتضن قطر المكتب السياسي لحركة حماس، وتلعب دور الوسيط الرئيسي في المفاوضات المتعلقة بغزة، وتُقدم نفسها باستمرار على أنها الداعم الأول للشعب الفلسطيني. أما على صعيد القضية الصحراوية، فقد انحازت قطر انحيازاً صريحاً للموقف المغربي، معلنةً دعمها لحل دبلوماسي “في إطار سيادة المملكة المغربية”، في موقف وصفه المراقبون بأنه انقلاب دبلوماسي على الجزائر التي كانت تعتبرها حليفة.
هذا التطابق الكامل بين مواقف الشنقيطي والتوجهات الرسمية لدولة قطر في كلتا القضيتين ليس مصادفة، بل هو نمط ثابت يكشف عن علاقة عضوية بين خطاب الرجل والسياسة الخارجية للدولة التي تحتضنه. فحين تدعم قطر فلسطين، يدعم الشنقيطي فلسطين. وحين تنحاز قطر للمغرب في الصحراء، ينحاز الشنقيطي للمغرب في الصحراء. وهذا التزامن الدقيق يُفقد الشنقيطي صفة المفكر المستقل، ويحيله إلى صوت يُرجّع سياسات الدولة التي يعيش في كنفها.
إن المثقف الذي يتبنى مبادئ الحق وتقرير المصير والتحرر من الاستعمار لا يمكنه أن يطبقها بشكل انتقائي، فيمنحها لشعب ويسلبها من شعب آخر، بحسب ما تقتضيه مصالح الجهة التي يُدين لها بالولاء. القضية الصحراوية ليست أقل عدالة من القضية الفلسطينية، وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره ليس أقل مشروعية من حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال. وكل من يدعم القضية الفلسطينية بمبدأ حق الشعوب في التحرر، ملزم بالمنطق والأخلاق أن يدعم القضية الصحراوية بالمبدأ ذاته، وإلا فهو لا يدافع عن مبادئ، بل يدافع عن مصالح. ومحمد المختار الشنقيطي، بموقفيه المتناقضين، قدّم بنفسه أبلغ دليل على أن خطابه الفكري ليس خطاباً مبدئياً مستقلاً، بل هو خطاب يتماشى مع السياسة الخارجية لدولة قطر، ويتشكل بحسب ما تقتضيه تلك السياسة في كل مرحلة.
التوفيق والنجاح لميجك ميديا
ردحذف