التخطي إلى المحتوى الرئيسي

وردة في الصحراء: قصة مختبر إنتاج الأدوية الصحراوي في الدولة الصحراوية

 في قلب الصحراء الجزائرية القاحلة، وتحديداً في منطقة “الحمادة” القاسية بمخيمات اللاجئين الصحراويين ، تنبض الحياة بمشروع استثنائي يتحدى قسوة الطبيعة ونقص الموارد. إنه “مختبر إنتاج الأدوية محمد امبارك فكلا”، الذي يمثل بارقة أمل ورمزاً لصمود شعب يعيش في المنفى منذ ما يقارب نصف قرن.

نشأة المشروع وتطوره

تعود جذور هذا المشروع الرائد إلى عام 1992، عندما زار وفد من صيادلة منظمة “ميديكوس موندي ميديترانيا” الإسبانية مخيمات اللاجئين استجابةً لطلب من وزارة الصحة العامة في الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. خلال تلك الزيارة، لاحظ الفريق أن الكوادر المحلية كانت تقوم بتحضير المطهرات محلياً في مستوصف صغير، مما أوحى بفكرة إنشاء مختبر لإنتاج الأدوية على نطاق أوسع لتلبية الاحتياجات الصحية العاجلة للسكان.

بدأ المشروع فعلياً بدعم من المنظمة الإسبانية وشركاء آخرين، حيث مر بمراحل متعددة شملت البناء، والتجهيز، وتدريب الكوادر البشرية. وفي عام 1998، انطلق الإنتاج الفعلي للأدوية، واستمر دون انقطاع حتى يومنا هذا. يقع المختبر في المجمع الاستشفائي بمنطقة الرابوني، العاصمة الإدارية لمخيمات اللاجئين، على بُعد نحو 25 كيلومتراً من مدينة تندوف الجزائرية.

فريق العمل والإنتاج

يعمل في هذا المرفق فريق مستقر يتكون من أحد عشر إلى اثني عشر فنياً صيدلانياً، جميعهم من الصحراويين، تحت إشراف صيدلي متخصص. من أبرز وجوه هذا الفريق السيد محمد الأمين عبدي، مدير المختبر، والسيد مولاي مسعود الذي يعمل كيميائياً في المستشفى الوطني منذ أكثر من عشرين عاماً. على مدار خمسة وعشرين عاماً، تم تدريب وتأهيل ما يزيد على أربعين صحراوياً من خلال دورات تدريبية خارجية في أقسام الصيدلة بالمستشفيات، وزيارات لمختبرات إنتاج في دول أخرى، وبرامج تدريب مستمرة.

يُنتج المختبر ما يزيد على خمسين نوعاً مختلفاً من الأدوية بتركيبات متفاوتة التعقيد، تشمل الكبسولات والمحاليل الفموية والكريمات والمراهم الجلدية والمحاليل الموضعية وقطرات العيون ومحاليل الري والغسيل المعقمة. ومن أبرز الأدوية المنتجة: الإيبوبروفين، والباراسيتامول، والأموكسيسيلين، وحمض الفوليك، والجل الكحولي المائي. ويتراوح عدد المرضى المستفيدين من هذه الأدوية سنوياً بين ثلاثين ألفاً وسبعين ألف مريض.

التحديات والآفاق المستقبلية

على الرغم من النجاح الباهر الذي حققه المختبر في تغطية جزء من احتياجات السكان، إلا أنه يواجه تحديات جمة. من أبرز هذه التحديات الميزانية المحدودة التي لا تتجاوز خمسين ألف يورو سنوياً، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على المواد الخام ومواد التعبئة والتغليف ونقلها بسبب الوضع السياسي والبيئة الجغرافية القاسية. كما يُشكّل التراجع المتواصل في المساعدات الدولية ضغطاً متزايداً على قدرة المختبر في الاستمرار والتوسع.

يقول مولاي مسعود معبراً عن هذا الإنجاز الاستثنائي:

“لم يكن أحد يعلم أنه يمكن بالفعل صنع الأدوية في الصحراء وفي مخيم للاجئين. إنها معجزة. الهدف هو إنهاء اعتمادنا على المساعدات الخارجية، بحيث في اليوم الذي نصبح فيه مستقلين، لن نضطر سوى لشراء المواد الخام الخاصة بنا لتغطية احتياجات شعبنا.”

إن مختبر “محمد امبارك فكلا” ليس مجرد منشأة صحية، بل هو تجسيد حي لقدرة الإنسان على التكيف والابتكار في أحلك الظروف. إنه، كما وصفته صحيفة “إل باييس” الإسبانية، “وردة في الصحراء”، تكافح ضد الرمال ونقص التمويل لتوفير الدواء والعلاج لشعب بأكمله، وخطوة راسخة نحو الاكتفاء الذاتي والكرامة الإنسانية.

صحيفة El Pais الإسبانية 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...