تعتبر القضيتان الفلسطينية والصحراوية من أبرز قضايا تصفية الاستعمار والتحرر الوطني التي لا تزال عالقة في المشهد الدولي المعاصر. ورغم اختلاف السياقات الجغرافية والتاريخية، تتقاطع القضيتان في العديد من الجوانب القانونية والسياسية والإنسانية، مما جعلهما محط اهتمام وتضامن مشترك من قبل شخصيات عالمية بارزة في مجالات الفن والسياسة والقانون. يسلط هذا المقال التحليلي الضوء على أوجه التقاطع بين القضيتين، ويستعرض مواقف شخصيات محورية تمثل هذا التضامن، بدءاً من قضاة جبهة البوليساريو في المحاكم الدولية، مروراً بالفنان الإسباني خافيير بارديم، وصولاً إلى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
أوجه التقاطع بين القضيتين: من الاحتلال إلى تقرير المصير
تستند المقاربة التضامنية مع القضيتين الصحراوية والفلسطينية إلى ركائز قانونية وتاريخية متشابهة، تجعل من الصعب على المدافعين عن حقوق الإنسان فصل إحداهما عن الأخرى. فكلتا القضيتين تنطويان على احتلال عسكري تُدينه قرارات الأمم المتحدة وتطالب بإنهائه، وكلتاهما تتعلقان بشعبين يناضلان من أجل حقهما غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وهو حق أقرّه المجتمع الدولي بشكل صريح ومتكرر.
يُضاف إلى ذلك أن كلا الشعبين يعانيان من استغلال القوى المحتلة لمواردهما الطبيعية، ومن سياسات الاستيطان التي تسعى إلى تغيير التركيبة الديمغرافية للأراضي المحتلة. كما يشترك الشعبان في مأساة التهجير القسري واللجوء، وفي وجود جدران فاصلة تقطع أوصال أراضيهما وتفرض واقعاً احتلالياً على أرض الواقع. الوجوه البارزة في حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني عبر العالم هي نفسها المتضامنة مع الشعب الصحراوي”، مما يؤكد أن هذا التضامن المزدوج ليس عشوائياً، بل ينبثق من منظومة قيمية واحدة ترفض الاحتلال وتدعم حق الشعوب في تقرير مصيرها.
ولعل أبرز ما يجمع القضيتين على الصعيد الدولي هو التشابه في موقف القوى الداعمة والمعارضة على حدٍّ سواء. فالدول ذات الخلفية التحررية كالجزائر وجنوب أفريقيا ودول أمريكا اللاتينية التقدمية تقف في الصف الأمامي للدفاع عن الشعبين، في حين تتسم مواقف الغالبية الغربية بالتردد والمراوغة، خاضعةً للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية أكثر من انحيازها للمبادئ القانونية.
جبهة البوليساريو والمحاكم الدولية
لجأت جبهة البوليساريو، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، إلى تدويل قضيتها عبر المحاكم الدولية، محققةً انتصارات قانونية هامة تتقاطع في جوهرها مع الجهود الفلسطينية في محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية. وفي أكتوبر 2024، أصدرت محكمة العدل الأوروبية في غرفتها الكبرى حكماً تاريخياً يؤكد إلغاء اتفاقيات التجارة والصيد البحري بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وذلك لشمولها أراضي الصحراء الغربية دون موافقة الشعب الصحراوي. وقد وصفت الجمهورية الصحراوية هذا الحكم بأنه “نصر كبير للشعب الصحراوي”، مؤكدةً أنه يرسي قاعدة قانونية صلبة لمنع أي استغلال لموارد الإقليم المحتل.
ما يجعل هذا المسار القانوني بالغ الدلالة هو أنه استلهم في بداياته من سوابق قانونية أوروبية تعلقت بالمنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما قضية بريتا عام 2010 التي أكدت أن الاتفاق الإطار بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي لا يجب أن يشمل المنتجات القادمة من الضفة الغربية. ثم انعكس الأمر لاحقاً، إذ باتت قرارات المحكمة الأوروبية حول الصحراء الغربية مكسباً يستفيد منه الفلسطينيون لتعزيز حظر منتجات المستوطنات. يظهر هذا التبادل القانوني بجلاء كيف أن نجاحات إحدى القضيتين تشكل أرضية صلبة ومرجعية للأخرى في مواجهة محاولات تشريع الاحتلال واستغلال الموارد.
خافيير بارديم: صوت الفن في مواجهة الاستعمار والإبادة
يمثل الممثل الإسباني الحائز على جائزة الأوسكار خافيير بارديم نموذجاً بارزاً لتقاطع التضامن الفني مع القضيتين. لم يقتصر دور بارديم على الإدانات اللفظية، بل استخدم فنه ومنصته العالمية لتسليط الضوء على معاناة الشعبين بأساليب إبداعية راسخة.
على صعيد القضية الصحراوية، أنتج بارديم عام 2012 الفيلم الوثائقي “أبناء السحاب: آخر مستعمرة”، الذي يوثق معاناة اللاجئين الصحراويين ويسلط الضوء على مسؤولية القوى الغربية، وخاصة إسبانيا، في استمرار النزاع. وقد صرّح بارديم في لندن بأنه “كإسباني يشعر بمسؤولية” تجاه قضية الصحراء الغربية، مشيراً إلى التاريخ الاستعماري الإسباني في المنطقة. وفاز الفيلم بجائزة “غويا” الإسبانية، أرفع جوائز السينما الإسبانية، وعُرض في مهرجان برلين السينمائي الدولي، ليصل صوت الصحراويين إلى الجمهور العالمي عبر لغة الفن.
على صعيد القضية الفلسطينية، تصاعد صوت بارديم بشكل لافت منذ اندلاع الحرب على غزة. وفي تصريحات حديثة تزامنت مع ذكرى النكبة في مايو 2026، أكد بارديم أن “النكبة لم تنتهِ قط”، واصفاً ما يجري في غزة بـ”الإبادة الجماعية” وما يحدث في الضفة الغربية بـ”التطهير العرقي ونظام الفصل العنصري”. وكان قد شارك في فيديو تضامني بعنوان “معاً من أجل فلسطين” إلى جانب نجوم هوليوود من أمثال بينيلوبي كروز وجواكين فينيكس، وهتف في حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين “لا للحرب.. وفلسطين حرة” قبيل تقديمه جائزة أفضل فيلم دولي، في موقف لاقى تفاعلاً واسعاً داخل القاعة وخارجها. ورغم وضعه على ما يُوصف بـ”القائمة السوداء” في هوليوود جراء مواقفه، أصرّ بارديم على أنه “يستخدم الفن للتنديد بالظلم”.
يكشف مسار بارديم أن التضامن مع القضيتين ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل هو التزام فني وأخلاقي متجذر ينبع من رؤية إنسانية شاملة ترفض الاحتلال والإبادة أينما وُجدا، وتعتبر الفن أداةً للشهادة والمقاومة في مواجهة الصمت الدولي.
جورجيا ميلوني: التوازنات السياسية بين المبادئ والمصالح
على النقيض من الموقف المبدئي للفنانين، تعكس مواقف السياسيين مثل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والتي زارت مخيمات اللاجئين الصحراويين لكن لان ملتزمة بالتعقيدات التوازنات الدولية وتأثير المصالح الاقتصادية على المواقف تجاه القضيتين. وتجد إيطاليا نفسها في موقف بالغ الحساسية بين حليفين متنافسين: الجزائر الداعم الرئيسي لشعب الصحراوي والمورد الأساسي للغاز لإيطاليا، والمغرب الشريك الاقتصادي والأمني المهم.
فيما يخص القضية الصحراوية، حافظت حكومة ميلوني على موقف حذر يتماشى مع جهود الأمم المتحدة. وفي زيارتها للجزائر في مارس 2026، أكدت ميلوني دعم بلادها لـ**“حل يتماشى مع رؤية الأمم المتحدة”**، . وفي البيان المشترك الصادر عن القمة الإيطالية الجزائرية في يوليو 2025، جددت روما دعمها لجهود المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا لإعادة إطلاق المفاوضات المباشرة، .
أما على الصعيد الفلسطيني، فقد شهد موقف ميلوني تطورات لافتة تحت وطأة الضغط الداخلي والأحداث الميدانية. فبعد دعمها الأولي لإسرائيل، أعلنت حكومتها تعليق اتفاقيات الدفاع مع تل أبيب. وفيما يتعلق بالاعتراف بدولة فلسطين، وضعت ميلوني شروطاً صارمة أبرزها إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين واستبعاد حركة حماس، معتبرةً أن الوقت “غير مناسب” لاعتراف أحادي الجانب. وقد وصف محللون موقف ميلوني من غزة بأنه “تراجع أخلاقي” يعكس الحساب السياسي لا القناعة المبدئية.
يعكس هذا الموقف ازدواجية المعايير التي تتبناها العديد من الحكومات الغربية عند التعامل مع قضايا التحرر الوطني، حيث تخضع المبادئ لحسابات “الريال بوليتيك” والمصالح الاستراتيجية، مما يجعل التحولات في هذه المواقف بطيئة ومشروطة في أغلب الأحيان.
يكشف تقاطع التضامن مع القضيتين الصحراوية والفلسطينية عن معادلة سياسية وأخلاقية بالغة التعقيد. فبينما تقود جبهة البوليساريو معارك قانونية تلهم وتستلهم من التجربة الفلسطينية في آنٍ واحد، يقف فنانون مثل خافيير بارديم كأصوات ضمير ترفض ازدواجية المعايير وتستخدم الفن سلاحاً في مواجهة الاحتلال والإبادة. في المقابل، تظل المواقف السياسية الرسمية كحالة جورجيا ميلوني أسيرةً للمصالح الجيوسياسية والاقتصادية، وإن كانت الضغوط الشعبية والأحداث الميدانية تدفع نحو تحولات تدريجية.
إن أبرز ما يجمع هذه الشخصيات المتباينة في مواقفها هو الإقرار الضمني أو الصريح بأن القضيتين وجهان لعملة واحدة: عملة حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير، وأن أي تسوية دولية عادلة لا يمكن أن تتجاهل هذا الحق الأصيل. ومع تزايد الوعي العالمي وتصاعد حركات التضامن، يبدو جلياً أن قضيتي فلسطين والصحراء الغربية ستظلان في قلب الاهتمام الدولي حتى تحقيق العدالة المرجوة.
تعليقات
إرسال تعليق