مقدمة
تعتبر التجربة الصحراوية في الكفاح المسلح ضد الاستعمار الإسباني وبعده الغزو المغربي الداداهي ومن ثم في بناء مؤسسات الدولة، واحدة من التجارب الفريدة في التاريخ المعاصر لحركات التحرر الوطني. فقد تميزت هذه التجربة بالاعتماد شبه الكلي على الذات (العصامية) في مختلف المجالات، بدءاً من التنظيم العسكري والتدريب، وصولاً إلى صياغة الدساتير والقوانين المنظمة للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. وإلى جانب هذا البعد التنظيمي والعسكري، تبرز إشكالية التعامل مع قواعد “القانون الدولي الإنساني” في أوقات النزاع المسلح. يطرح هذا المقال تساؤلاً جوهرياً: هل نحن بحاجة لمن يعطينا الدروس والدورات في القانون الدولي الإنساني، أم أن ممارساتنا الميدانية وأخلاقياتنا العسكرية مستمدة أصلاً من معين أعمق وأكثر إلزاماً، وهو الثقافة الإسلامية؟
العصامية والاعتماد على الذات في التجربة الصحراوية
منذ تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) في مايو 1973، وانطلاق الكفاح المسلح في نفس العام بهجوم “الخنگة” التاريخي، برزت سمة الاعتماد على الذات كركيزة أساسية للعمل الصحراوي.
في الجانب العسكري، ورغم التواضع الشديد للإمكانيات المادية والتسليحية في البدايات، تمكن الصحراويون من بناء قوة عسكرية منظمة (جيش التحرير الشعبي الصحراوي) دون الاعتماد على خبراء أو مستشارين عسكريين أجانب في ميادين القتال أو مدارس التدريب. لقد كانت الخبرة تتراكم من الميدان، وتُنقل من جيل إلى جيل بجهود ذاتية خالصة.
ولم تقتصر هذه العصامية على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت لتشمل الجوانب السياسية والقانونية الأكثر تعقيداً. فقد تمكنت القيادة الصحراوية من صياغة دستور للجمهورية، ووضع القوانين المنظمة لمؤسسات الدولة، وإدارة شؤون اللاجئين، وبناء نظام تعليمي وصحي، كل ذلك بجهود وخبرات صحراوية بحتة، مما يثبت قدرة هذا الشعب على التنظيم الذاتي وإدارة شؤونه بكفاءة عالية.
القانون الدولي الإنساني: أداة ناعمة أم التزام أخلاقي؟
القانون الدولي الإنساني هو مجموعة من القواعد التي تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة، وحماية الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، وتقييد وسائل وأساليب الحرب. ومع ذلك، يرى الكثيرون، ومن واقع التجربة الميدانية، أن هذه القوانين غالباً ما تُستخدم كأدوات ناعمة أو شعارات سياسية، حيث يسهل خرقها من قبل القوى الكبرى أو الدول التي أسستها وروجت لها، عندما تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.
في السياق الصحراوي، لم يكن الالتزام بقواعد الاشتباك الإنسانية نابعاً من الخوف من المحاكم الدولية أو الرغبة في استرضاء المجتمع الدولي، بل كان نابعاً من التزام ذاتي وعقائدي.
الثقافة الإسلامية كبديل أشمل للقانون الدولي الإنساني
إن الأخلاقيات التي حكمت سلوك المقاتل الصحراوي في الحرب لم تكن مستوردة من اتفاقيات جنيف أو لاهاي، بل كانت مستنبطة بشكل مباشر من الثقافة والفقه الإسلامي. لقد وضع الإسلام قواعد صارمة للحرب قبل قرون طويلة من صياغة القانون الدولي الإنساني الحديث.
تشير الدراسات المقارنة إلى أن الإسلام يتفوق في جوانب عديدة على القانون الدولي الإنساني، حيث ينفرد بقيم أخلاقية سامية لا وجود لها في القوانين الوضعية. من أبرز هذه القيم التي تجسدت في التجربة الصحراوية احترام الكرامة الإنسانية وحماية المدنيين، التزاماً بوصايا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه من بعده بعدم قتل الشيوخ والأطفال والنساء، وعدم التعرض لغير المقاتلين.
كما يتجلى ذلك في حسن معاملة الأسرى، حيث يعتبر الإسلام الإحسان إلى الأسير وإطعامه من القربات، وهو ما انعكس في تعامل المقاتلين الصحراويين مع أسرى الحرب. يضاف إلى ذلك منع التخريب والمحافظة على البيئة، بتحريم قطع الأشجار أو هدم العمران أو إفساد مصادر المياه، وهي قواعد سبقت القوانين البيئية الحديثة في النزاعات.
ويظل الوازع الديني المتمثل في الإخلاص والرقابة الذاتية هو الفارق الجوهري؛ فالقانون الدولي يعتمد على الرقابة الخارجية والردع القانوني، بينما تعتمد الثقافة الإسلامية على الرقابة الذاتية (التقوى) والخوف من حساب الآخرة. المقاتل الصحراوي، سواء كان عسكرياً أو مدنياً، يحمل هذه العقيدة في قلبه، مما يجعل التزامه بالأخلاقيات الإنسانية التزاماً مطلقاً لا يتأثر بغياب الرقيب.
تعليقات
إرسال تعليق