يُعد تاريخ المغرب الأقصى وتشكله في حدوده الجغرافية والسياسية الحالية موضوعاً بالغ الأهمية في الدراسات التاريخية الحديثة. فالمتتبع لتاريخ المنطقة يدرك أن المغرب بشكله الراهن، كدولة وطنية ذات مؤسسات ورموز سيادية معترف بها دولياً، لم يتبلور بشكل كامل إلا مع بداية القرن العشرين، وتحديداً بعد توقيع معاهدة الحماية الفرنسية في 30 مارس 1912. وقد ارتبط هذا التأسيس الحديث ارتباطاً وثيقاً بشخصية المارشال الفرنسي لويس هوبير غونزالف ليوطي (Louis Hubert Gonzalve Lyautey)، أول مقيم عام لفرنسا في المغرب، والذي يُنظر إليه على نطاق واسع كالمؤسس الفعلي للمملكة المغربية الحديثة.
المغرب قبل الحماية: من السلطنات المتفرقة إلى الدولة الموحدة
قبل عام 1912، لم يكن المغرب يشكل دولة مركزية بالمعنى الحديث للكلمة. فقد كان عبارة عن كيانات سياسية وسلطنات متفرقة، أبرزها سلطنة فاس وسلطنة مراكش، بالإضافة إلى وضع خاص لمدينة طنجة. كانت هذه السلطنات تتحد تارة وتتصارع تارة أخرى، مما جعل السلطة المركزية المعروفة بـ”المخزن” ضعيفة وغير قادرة على بسط نفوذها على كامل التراب، وهو ما عُرف تاريخياً بثنائية “بلاد المخزن” أي المناطق الخاضعة للسلطة، و”بلاد السيبة” أي المناطق المتمردة.
في تلك الحقبة، افتقر المغرب إلى مقومات الدولة الوطنية الحديثة؛ فلم يكن هناك علم وطني جامع، ولا نشيد وطني، ولا عملة موحدة، ولا حتى أعياد وطنية تجمع المغاربة تحت هوية واحدة. كان هذا التشرذم السياسي والاجتماعي هو المشهد الذي وجده الجنرال ليوطي عند وصوله إلى المغرب، فوجد أمامه أرضاً خصبة لإعادة البناء والتأسيس.
ليوطي: من نانسي إلى قيادة المستعمرات الفرنسية
وُلد لويس هوبير غونزالف ليوطي في مدينة نانسي شمال شرق فرنسا في 17 نوفمبر 1854. دفعته هزيمة فرنسا أمام ألمانيا عام 1870 وما نجم عنها من فقدان الألزاس واللورين نحو المسار العسكري، فالتحق بالمدرسة العسكرية الشهيرة في “سان سير” سنة 1873، ثم انضم لمدرسة الأركان العليا للجيش سنة 1876. اكتسب ليوطي خبرة استعمارية واسعة في الهند الصينية ومدغشقر، قبل أن يُعيَّن حاكماً لجنوب وهران على الحدود المغربية الجزائرية سنة 1903، وهو ما أتاح له الاحتكاك المباشر بالمجتمع المغربي وفهم خصوصياته.
في 28 أبريل 1912، باشر ليوطي مهامه كأول مقيم عام فرنسي في المغرب، بعد أسابيع قليلة من توقيع معاهدة فاس. وقد استمر في هذا المنصب أربعة عشر عاماً كاملة حتى 1925، وهي أطول فترة قضاها أي مقيم عام فرنسي في المغرب. وفي عام 1921 رُقِّي إلى رتبة مارشال فرنسا، وهي أعلى رتبة عسكرية في الجيش الفرنسي.
تأسيس رموز السيادة المغربية
من أبرز إسهامات ليوطي في بناء الهوية الوطنية المغربية الحديثة هو تصميمه للعلم الوطني. ففي 17 نوفمبر 1915، وبدفع مباشر من ليوطي، أصدر السلطان مولاي يوسف ظهيراً شريفاً يعتمد العلم الأحمر الذي تتوسطه نجمة خماسية خضراء، المعروفة بخاتم سليمان، كعلم رسمي للبلاد. جاء في نص الظهير أن الهدف هو إعطاء المملكة الشريفة رمزاً يميزها بين الأمم الأخرى، ويفرقها عن الأعلام السابقة التي كانت تعتمدها البحرية. كما يعود الفضل لليوطي في اختيار موسيقى النشيد الوطني المغربي، والذي لم تُضَف إليه الكلمات إلا لاحقاً في عهد الملك الحسن الثاني سنة 1972 بأمر منه لفريق المغرب لكرة القدم.
أما قرار نقل عاصمة المغرب من فاس إلى الرباط، فقد كان قراراً استراتيجياً بامتياز. كانت الرباط قبل ذلك مدينة مهملة وشبه مهجورة، فاختارها ليوطي لتكون العاصمة الإدارية والسياسية الجديدة للبلاد. هدف هذا القرار إلى تهميش مدينة فاس التي كانت معقلاً تاريخياً للمقاومة والاحتجاجات ضد الوجود الفرنسي، وإبعاد السلطان عن تأثيرات النخب الفاسية الرافضة للحماية. أمر ليوطي ببناء القصر الملكي في منطقة تواركة بالرباط، وشيّد الإدارات المركزية المدنية والعسكرية والقضائية، مما وضع الأسس المؤسسية للدولة المغربية الحديثة.
فاس ثورات عارمة ومقاومة شرسة من القبائل الرافضة لمعاهدة الحماية
واجه ليوطي فور وصوله إلى فاس ثورات عارمة ومقاومة شرسة من القبائل الرافضة لمعاهدة الحماية. وقد كتب في رسالة إلى شقيقته يصف فيها ليلته الأولى في المدينة قائلاً: “وصلت إلى هنا أمس، ثم التقيت بالسلطان. في المساء تعرضت المدينة لهجوم هائل من شرقها وشمالها. صددنا المهاجمين بحلول ظهر اليوم الموالي، بعد أكثر من اثنتي عشرة ساعة من المقاومة الشرسة، تسللوا خلالها إلى داخل المدينة، فاضطررنا إلى حرب الشوارع ومطاردتهم خطوة خطوة، داراً بدار.”
أدرك ليوطي مبكراً أن القوة العسكرية وحدها لن تكفي لإخضاع المغرب، فكتب إلى الكونت ألبير دومان عضو البرلمان الفرنسي موضحاً خطته: “لو أمدتني فرنسا بمائة ألف جندي لن يجدي الأمر شيئاً، ستجمد حركتهم. هذه البلاد لا يمكن معالجتها بالقوة فقط. الطريقة المعقولة، والوحيدة، والأنسب، هي اللعب الدائم على حبلي السياسة والقوة.”
من هنا، ابتكر ليوطي ما عُرف بـ “السياسة الإسلامية” أو “السياسة الأهلية”. ارتكزت هذه السياسة على مبدأ الاحترام العميق للدين الإسلامي والعادات المحلية والمؤسسات التقليدية للمغاربة، وفق ما يورده المؤرخ المغربي جامع بيضا. فمنع ليوطي المغاربة من ولوج الحانات، وأمر بتجريم السكر العلني، ومنع غير المسلمين من دخول المساجد، وحظر التبشير الديني. وفي تعليقه على هذه السياسة قال ليوطي بحسب ما أورده الباحث دانيال ريفي صاحب كتاب “ليوطي ومؤسسة الحماية الفرنسية بالمغرب”: “لم أتمكن حتى الآن من إحكام القبضة على المغرب إلا بفضل سياستي الإسلامية. إني متأكد من جدواها، وأطلب بإلحاح ألا يفسد علي أحد لعبتي.”
نجحت هذه السياسة في استمالة النخب الدينية والسياسية. فقد تمكن ليوطي من تجنيد كبار العلماء، أمثال أحمد بن المواز وأبي شعيب الدكالي، واستصدار فتاوى منهم تبيح اصطفاف المغاربة مع فرنسا في الحرب العالمية الأولى. بل وصل الأمر إلى أن ترتفع الدعوات من على منابر المساجد بالشفاء لليوطي عند إصابته بالتهاب كبدي سنة 1923، وشاع بين المغاربة حينها أن المقيم العام اعتنق الإسلام.
كما حرص ليوطي على بناء مدن أوروبية جديدة خارج المدن العتيقة، حافظاً على النسيج المعماري والاجتماعي التقليدي، مؤمناً بأن المدينة الإسلامية تكون فيها الشهادة هي الهندسة المعمارية، وفق تعبير المستشرق الكبير لويس ماسينيون الذي كان أحد مستشاريه. وقد انتقد معارضو ليوطي هذه القرارات بدعوى أن الحرص على تفادي اصطدام الحضارات ربما يؤدي إلى تقسيم المغرب إلى فضاءين منفصلين، غير أن ليوطي تمسك بمنهجه وأثبت نجاعته على أرض الواقع.
الإرث الذي تجاوز الحماية
استمر ليوطي في منصبه حتى عام 1925، حين استقال إثر خلافه مع الحكومة الفرنسية حول أسلوب التعامل مع ثورة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي. عاد إلى فرنسا، لكن الحنين ظل يشده إلى المملكة ، فرسم مخططاً لضريحه وأوصى بدفنه في المغرب، وأن تُكتب على قبره العبارة التالية: “هنا يرقد لويس هوبير ليوطي، أول مقيم عام لفرنسا في المغرب، المتوفى في رحم الديانة الكاثوليكية التي حصل في إطار إيمانه العميق بها على آخر الأسرار المسيحية، والذي كان يحترم بعمق تقاليد الأسلاف والدين الذي حافظ عليه ومارسه سكان المغرب، حيث أراد أن يرقد بين رحابهم في هذه الأرض التي أحبها بشدة.” توفي ليوطي في 27 يوليو 1934، ودُفن في المغرب قبل أن يُنقل جثمانه إلى باريس عام 1961 بطلب من الجنرال شارل ديغول.
ورغم نهاية عهد الحماية ورحيل الفرنسيين عام 1956، إلا أن قرارات ليوطي واختياراته بقيت صامدة في وجه الزمن. فالعلم المغربي لا يزال هو نفسه الذي اختاره ليوطي، والرباط لا تزال العاصمة، وبعض القوانين “ا و. وقد شهدت الرباط بعد الاستقلال بناء العديد من المرافق التي حوّلتها إلى عاصمة عصرية، مكرّسةً بذلك الخيار الذي أقدم عليه ليوطي قبل قرن من الزمن.
إن قراءة موضوعية لتاريخ المغرب الحديث لا يمكن أن تتجاوز الدور المحوري الذي لعبه المارشال ليوطي. لقد كان مهندس نظام الحماية الفرنسية، ولكنه في الوقت ذاته كان المؤسس الفعلي لمقومات الدولة المغربية الحديثة، من رموز السيادة كالعلم والعاصمة، إلى الهيكلة الإدارية والمؤسساتية التي لا يزال المغرب يعتمد على الكثير منها حتى اليوم. وتبقى شخصية ليوطي نموذجاً فريداً للقائد الاستعماري الذي جمع بين حسابات السيطرة السياسية وتعلق عاطفي صادق بالبلاد التي حكمها، في تناقض لافت يجعله من أكثر شخصيات التاريخ الاستعماري إثارةً للجدل والدراسة.
تعليقات
إرسال تعليق