الأخطاء الاستراتيجية ومفهوم نصرة المظلوم: من التدخل الإيراني في سوريا إلى موقف النظام السوري الجديد من القضية الصحراوية
تُعد السياسة الخارجية للدول والحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية امتحاناً حقيقياً لمدى التزامها بالمبادئ الأخلاقية والدينية التي ترفع لواءها. في العقد الأخير، شهدت منطقة الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية عميقة، كان أبرزها الأزمة السورية التي كشفت عن تناقضات حادة بين الشعارات المرفوعة والممارسات العملية. يهدف هذا المقال إلى تحليل الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه إيران وحزب الله بدعمهما للنظام السوري السابق، وربط ذلك بالمفهوم الإسلامي الصحيح لـ “نصرة الأخ”، ثم إسقاط هذا الدرس التاريخي على موقف النظام السوري الجديد من القضية الصحراوية، محذراً من تكرار نفس الخطأ الاستراتيجي والأخلاقي.
الخطأ الاستراتيجي لإيران وحزب الله في سوريا
لقد بنت إيران وحزب الله رصيداً كبيراً من التعاطف داخل الشارع العربي والإسلامي، ولدى أحرار العالم، بفضل خطابهما المناهض للإمبريالية والداعم للقضية الفلسطينية. ومع ذلك، شكل اندلاع الثورة السورية نقطة تحول مفصلية أدت إلى تآكل هذا الرصيد بشكل غير مسبوق.
تمثل الخطأ الاستراتيجي الفادح في الانحياز المطلق لنظام بشار الأسد، وهو نظام واجه مطالب شعبه بالحرية والكرامة بالقمع العنيف، ودمر مقدرات بلاده من أجل البقاء في السلطة. لقد كان هذا النظام مبنياً على أسس الطائفية، والرشوة، والمحسوبية، والاستبداد السياسي. بدلاً من الوقوف إلى جانب الشعب المظلوم، اختارت إيران وحزب الله دعم النظام الظالم، مما كلفهما مليارات الدولارات، والأهم من ذلك، كلفهما سمعتهما ومصداقيتهما الأخلاقية والسياسية في العالم العربي والإسلامي.
المفهوم الإسلامي الصحيح لـ “نصرة الأخ”
في سياق تقييم هذا الموقف من منظور إسلامي، يبرز الحديث النبوي الشريف كمعيار أخلاقي حاكم. فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”. فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: “تحجزه، أو تمنعه، من الظلم فإن ذلك نصره”.
هذا الحديث يؤسس لقاعدة ذهبية في العلاقات السياسية والاجتماعية؛ فالنصرة الحقيقية للحليف أو “الأخ” عندما يمارس الظلم لا تكون بمشاركته في ظلمه أو تبرير أفعاله، بل تكون برده عن هذا الظلم ومنعه من التمادي فيه. لو طبقت إيران وحزب الله هذا المبدأ، لكان تدخلهما منصباً على الضغط على النظام السوري لإجراء إصلاحات حقيقية ووقف آلة القمع، بدلاً من الانخراط في حرب دمرت سوريا وشردت الملايين.
النظام السوري الجديد والقضية الصحراوية: تكرار الخطأ؟
بعد انتصار الشعب السوري على الظلم والاستبداد، وتأسيس نظام جديد يُفترض أنه يحمل توجهاً إسلامياً أو على الأقل يحترم إرادة الشعوب والقانون الدولي، تبرز تحديات جديدة في السياسة الخارجية، لعل أبرزها الموقف من القضية الصحراوية.
يبدو أن النظام السوري الجديد يقع في فخ مشابه لذلك الذي وقعت فيه إيران وحزب الله، من خلال تجاهل الحقائق التاريخية والسياسية المتعلقة بالنظام المغربي والقضية الصحراوية. فالنظام المغربي، في نظر الكثير من المحللين، يمثل امتداداً لسياسات استعمارية، ويمتلك علاقات تاريخية وعميقة مع إسرائيل منذ تأسيسها، وهو ما يتناقض مع الشعارات المناهضة للصهيونية.
إذا كان النظام السوري الجديد يتبنى توجهاً إسلامياً، فإن القضية الصحراوية تمثل قضية شعب مسلم ظُلم وتكالبت عليه القوى الإمبريالية للاستيلاء على أرضه وثرواته الطبيعية. وإذا كان هذا النظام يستند إلى احترام القانون الدولي، فإن الأمم المتحدة تصنف القضية الصحراوية بوضوح كقضية “تصفية استعمار” وحق في تقرير المصير.
إن الوقوف مع النظام المغربي في القضية الصحراوية وتجاهل حقوق الشعب الصحراوي يمثل إعادة إنتاج لنفس الخطأ الاستراتيجي والأخلاقي الذي ارتكبته إيران وحزب الله في سوريا؛ وهو “الوقوف مع الظالم بدلاً من نصرة المظلوم”. إن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تبني سياساتها الخارجية على حساب المبادئ الأخلاقية وحقوق الشعوب، تفقد في النهاية مصداقيتها ورصيدها الشعبي. لذا، يتعين على النظام السوري الجديد أن يستلهم دروس الماضي القريب، وأن يتبنى سياسة خارجية تتسق مع مبادئ العدالة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والمفهوم النبوي الصحيح لنصرة المظلوم.
تعليقات
إرسال تعليق