التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصراع في الصحراء الغربية: شعوب التحرر في مواجهة أدوات الاستعمار

مقدمة

إعادة قراءة الصراع من جذوره

حين يُطرح الصراع في الصحراء الغربية على الملأ، يُقدَّم في الغالب على أنه نزاع بين شعب يطالب بحقه في تقرير المصير ومملكة تدّعي السيادة على إقليم تحتله. هذه القراءة، وإن كانت تصف ظاهر الأمور، فإنها تُخفي الجوهر وتحجب الحقيقة الأعمق. فالصراع في الصحراء الغربية ليس في أساسه مواجهة بين الشعب الصحراوي والنظام المغربي وحده، بل هو فصل من فصول صراع أشمل وأقدم، يدور بين شعوب تواقة للتحرر الحقيقي والسيادة الكاملة من جهة، وأدوات الاستعمار الفرنسي التي أُبقي عليها في المنطقة بعد الاستقلال الشكلي من جهة أخرى.

إن فهم هذا الصراع يستلزم الخروج من ثنائية المحتل والمحتَل الضيقة، والنظر إلى المشهد الأوسع الذي تتشابك فيه إرادات الشعوب ومصالح القوى الاستعمارية التي لم تغادر المنطقة فعلاً، بل غيّرت أدواتها وأساليبها. وفي هذا السياق، يقف الشعب الصحراوي والشعب الجزائري في خندق واحد، لا لأن الجزائر تدعم البوليساريو فحسب، بل لأن كلا الشعبين يواجهان في نهاية المطاف المشروع الاستعماري ذاته الذي يتخذ من النظام المغربي أداةً له في شمال غرب إفريقيا.

فرنسا وصناعة الأدوات: كيف بقي الاستعمار بعد رحيل الجيوش

لا يمكن فهم طبيعة النظام المغربي ودوره في الصراع دون العودة إلى طبيعة العلاقة التي نسجتها فرنسا مع هذا النظام منذ حقبة الاستعمار. فحين دخلت  فرنسا المغرب عام 1912 بطلب الحماية من أحد سلاطين المغرب لم تُلغِ النظام الملكي القائم، بل وظّفته لخدمة مصالحها، وجعلت منه شريكاً في إدارة الاستعمار لا ضحية له. وحين جاء الاستقلال الرسمي عام 1956، لم يكن انتزاعاً ثورياً حقيقياً كما حدث في الجزائر، بل كان ترتيباً تفاوضياً أبقى على البنية الجوهرية للعلاقة بين باريس والرباط.

لقد حرصت فرنسا على أن يبقى المغرب في دائرة نفوذها، وأن يظل النظام الملكي المغربي ضامناً لمصالحها الاقتصادية والإستراتيجية في المنطقة. وفي مقابل هذه الحماية، كان النظام المغربي يؤدي دور الدرع الأمامي لفرنسا في شمال غرب إفريقيا، يحمي مصالحها ويصدّ أي مشروع تحرري حقيقي قد يهدد نفوذها. وهكذا، فإن التوسع المغربي نحو الصحراء الغربية لا يمكن فصله عن هذا الدور الوظيفي الذي يؤديه النظام المغربي لصالح القوة الاستعمارية التي صنعته.

والدليل على ذلك لا يحتاج إلى كثير من البحث؛ فحين أعلنت فرنسا في يوليو 2024 دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي المغربي على الصحراء الغربية، معتبرةً أن مستقبل الإقليم يندرج في إطار السيادة المغربية، لم تكن تتخذ موقفاً جديداً بقدر ما كانت تُعلن صراحةً ما كانت تمارسه في الخفاء لعقود. فرنسا لم تكن يوماً محايدة في هذا الصراع؛ كانت دائماً في الجانب المغربي، لأن المغرب هو أداتها وامتداد نفوذها في المنطقة.

موريتانيا: الأداة الأخرى التي تركتها فرنسا بلا ثورة

لا يكتمل فهم المشهد دون الوقوف عند موريتانيا، تلك الدولة التي استقلت عام 1960 في ظروف بالغة الغرابة. فعلى خلاف الجزائر التي انتزعت استقلالها بثورة مسلحة امتدت سبع سنوات وأريقت فيها دماء أكثر من مليون ونصف  شهيد، وعلى خلاف حركات التحرر التي نشأت في أرجاء إفريقيا وآسيا، جاء استقلال موريتانيا بلا ثورة ولا جبهة تحرير ولا كفاح مسلح. تركت فرنسا موريتانيا بهدوء، بعد أن رسّخت فيها نظاماً سياسياً يضمن استمرار نفوذها، ويجعل من هذه الدولة الفتية امتداداً طبيعياً لمنطقة النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا.

وحين جاءت لحظة تقسيم الصحراء الغربية عام 1975 بموجب اتفاقية مدريد الثلاثية، كانت موريتانيا طرفاً في الصفقة، تأخذ حصتها من الإقليم الصحراوي لا لأن لها حقاً تاريخياً راسخاً فيه، بل لأن ذلك كان يخدم الترتيبات الإقليمية التي رعتها القوى الغربية. وحين أُنهكت موريتانيا بضربات الجيش الشعبي الصحراويانسحبت من الصحراء عام 1979، كان المغرب جاهزاً لملء الفراغ وضم الجزء الموريتاني من الإقليم إلى سيطرته. وهكذا، فإن موريتانيا لعبت دور الأداة المؤقتة التي وُظِّفت لتسهيل عملية التقسيم، قبل أن تتراجع وتترك المغرب يُحكم قبضته على الإقليم بأكمله.

الجزائر والشعب الصحراوي: خندق واحد لا مجرد دعم

الخطأ الشائع في تناول الدور الجزائري هو وصفه بأنه مجرد دعم سياسي أو دبلوماسي لجبهة البوليساريو. هذا الوصف يُقلّل من حجم الانخراط الجزائري ويُخفي طبيعته الحقيقية. فالجزائر لا تدعم الشعب الصحراوي من موقع المتفرج المتعاطف، بل تقف معه في الخندق ذاته، لأن المعركة في جوهرها واحدة.

ما يجمع الجزائر بالشعب الصحراوي ليس مجرد الجوار الجغرافي أو التضامن العاطفي، بل هو وحدة المصير أمام مشروع استعماري واحد. فالجزائر التي انتزعت استقلالها بدماء مليون ونصف شهيد تعرف جيداً ما معنى مواجهة الاستعمار الفرنسي وأدواته. وهي تدرك أن النظام المغربي الذي يحتل الصحراء الغربية اليوم هو الوجه الآخر للمشروع الفرنسي الذي حارب الجزائر بالأمس. ومن هنا، فإن دعم الجزائر للقضية الصحراوية ليس مجرد سياسة خارجية، بل هو استمرار طبيعي لمسيرة التحرر التي خاضتها ضد الاستعمار الفرنسي وامتداداته.

وتتجلى حقيقة هذا الانخراط في الأفعال لا في الأقوال. حين قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في أغسطس 2021، وحين أوقفت تدفق الغاز عبر خط الأنابيب المغاربي-الأوروبي في أكتوبر من العام ذاته، وحين أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات المغربية، لم تكن تمارس ضغطاً دبلوماسياً عادياً، بل كانت تشنّ حرباً اقتصادية وجيوسياسية شاملة في مواجهة أداة الاستعمار الفرنسي في المنطقة. إنها تخوض المعركة بأسلحة اليوم، بعيداً عن البنادق والمدافع، مستخدمةً ورقة الطاقة والمجال الجوي والعلاقات الدبلوماسية أدواتٍ للضغط الاقتصادي الذي تتراكم تداعياته على النظام المغربي.

كانت رسوم عبور الغاز تُضخّ في خزينة الدولة المغربية، وكان الغاز الجزائري يُسهم في توليد الكهرباء على الأراضي المغربية. إيقاف هذا الخط يعني حرمان المغرب من مورد مالي مضمون وتكليفه بفاتورة طاقة أعلى من السوق الدولية. هذا ليس قراراً تجارياً، بل هو قرار حرب بالوكالة الاقتصادية، يعكس أن الجزائر لا تقف على الرصيف تتفرج على معركة الشعب الصحراوي، بل تشارك فيها بكل ما أوتيت من أوراق.

الفارق الجوهري: ثورة حقيقية في مواجهة استقلال منحوح

لفهم لماذا تقف الجزائر مع الشعب الصحراوي بهذه الحدة والعمق، لا بد من استيعاب الفارق الجوهري بين طبيعة الاستقلال الجزائري وطبيعة الاستقلالات التي رعتها فرنسا في المنطقة.

الجزائر انتزعت استقلالها بثورة مسلحة حقيقية، خاضت فيها مواجهة مباشرة مع الاستعمار الفرنسي لسبع سنوات متواصلة. هذه التجربة رسّخت في الوجدان الجزائري إدراكاً عميقاً بأن الاستعمار لا يتراجع بالمفاوضات الهادئة، وأن الاستقلال الحقيقي لا يُمنح بل يُنتزع. ومن هذا المنطلق، تنظر الجزائر بعين الريبة إلى كل نظام في المنطقة نال استقلاله بترتيب هادئ مع القوة الاستعمارية، لأنها تعلم أن مثل هذه الترتيبات لا تعني انسحاب الاستعمار، بل تعني تغيير أسلوبه.

في المقابل، المغرب الذي نال استقلاله عام 1956 بتفاوض مع فرنسا لا بثورة عليها، والذي احتفظ بنظامه الملكي الذي رعاه الاستعمار وأبقى عليه، هو في نظر الجزائر نموذج للاستقلال الشكلي الذي يُكرّس التبعية لا يقطعها. وحين يتمدد هذا النظام ليحتل أراضي الشعب الصحراوي، فإنه يؤدي وظيفة الأداة الاستعمارية التي تُنجز ما لم تستطع فرنسا إنجازه بجيوشها مباشرة.


الثروات الطبيعية: ما تحرسه أداة الاستعمار

لا يمكن فهم إصرار النظام المغربي على الاحتلال دون استيعاب الثروات الهائلة التي تزخر بها الصحراء الغربية، والتي تجعل منها كنزاً إستراتيجياً لا يمكن التفريط فيه. فالإقليم يحتضن احتياطيات ضخمة من الفوسفات في منجم بوكراع، وهو مورد إستراتيجي عالمي لصناعة الأسمدة وتأمين الأمن الغذائي. ويمتد ساحله على المحيط الأطلسي بما يزيد على ألف وأربعمئة كيلومتر، وهو من أغنى سواحل العالم بالثروة السمكية. يُضاف إلى ذلك إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فضلاً عن احتمالات النفط والغاز قبالة السواحل.

هذه الثروات ليست ملكاً للنظام المغربي، بل هي ملك للشعب الصحراوي. غير أن الاحتلال يجعل منها مورداً يُغذّي الاقتصاد المغربي ويُموّل استمرار السيطرة. وتستفيد من هذه الثروات أيضاً الشركات الأوروبية والغربية التي أبرمت اتفاقيات صيد واستثمار مع المغرب في المياه والأراضي الصحراوية، مما يجعل هذه الشركات شريكةً في الاحتلال بصورة أو بأخرى. وهكذا، فإن الاستعمار الفرنسي لم يكتفِ بترك أداته المغربية تحرس الإقليم، بل ضمن لنفسه ولحلفائه الغربيين حصة من ثرواته.

الموقف الدولي: حماية الأداة وإطالة الصراع

ليس مصادفةً أن تكون الدول الغربية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة، في الجانب المغربي من هذا الصراع. فهذه الدول ترى في النظام المغربي شريكاً موثوقاً يضمن مصالحها في المنطقة، ويوفر لها قاعدة انطلاق نحو غرب إفريقيا، ويُسهم في ضبط تدفقات الهجرة نحو أوروبا، ويُقدّم نفسه وسيطاً في ملفات الشرق الأوسط.

حين اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية عام 2020، ربطت هذا الاعتراف بتطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل، كاشفةً أن القضية الصحراوية ليست في حسابات واشنطن قضية حقوق وتحرر، بل ورقة تفاوضية في صفقات جيوسياسية أكبر. وحين أعلنت فرنسا عام 2024 دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي المغربي، كانت تُعلن صراحةً ما كانت تمارسه في الخفاء طوال عقود، وهو حماية أداتها في المنطقة وصون مصالحها على حساب حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.


في المقابل، تبقى الأمم المتحدة عاجزة عن تنظيم الاستفتاء الذي وعدت به منذ عام 1991، لأن القوى الكبرى التي تتحكم في مجلس الأمن لا تريد حلاً حقيقياً يُنهي الصراع، بل تريد إدارته بما يخدم مصالحها. وقد عبّر عن هذه الحقيقة بصراحة نادرة جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ومبعوث الأمم المتحدة للصحراء الغربية، حين قال إن الأمم المتحدة لا تستطيع أن تكون أكثر فاعلية مما تريده الدول الأعضاء، والدول الأعضاء لا تريد حل هذا النزاع.

 الصراع الحقيقي لا يزال مستمراً

إن الصراع في الصحراء الغربية، حين يُقرأ بعيون مفتوحة على التاريخ والجيوسياسة، يكشف عن نفسه بوصفه امتداداً للصراع الذي لم ينته بين شعوب تواقة للتحرر الحقيقي وأدوات الاستعمار التي غيّرت ثوبها ولم تغيّر جوهرها. الشعب الصحراوي يقاتل من أجل أرضه وهويته وثرواته. والشعب الجزائري يقف معه لأنه يعرف، من تجربته الدموية الخاصة، أن الاستعمار لا يُهزم إلا بالمقاومة، وأن أدواته لا تتوقف إلا حين تُسقط.

النظام المغربي في هذه المعادلة ليس طرفاً مستقلاً يتصرف وفق إرادته الخالصة، بل هو أداة في منظومة أكبر تديرها فرنسا وحلفاؤها الغربيون لضمان استمرار نفوذهم في شمال غرب إفريقيا. وما يبدو للناظر الأول مجرد نزاع على السيادة الإقليمية هو في حقيقته مواجهة بين مشروعين: مشروع التحرر الحقيقي الذي يحمله الشعب الصحراوي ويساند الجزائر كفاحه، ومشروع الاستعمار الجديد الذي يتخذ من الأنظمة المحلية واجهةً ومن الثروات الطبيعية هدفاً.

وطالما بقيت هذه المعادلة على حالها، وطالما واصلت القوى الغربية حماية أدواتها في المنطقة، فإن الصراع لن ينتهي، وسيبقى الشعب الصحراوي يدفع ثمن معركة تتجاوزه في حجمها وتمسّه في صميم 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...