صرخة الأمعاء الخاوية: سياسات الانتقام المغربية وقضية المعتقل النعمة الأسفاري في الصحراء الغربية
تستمر فصول المعاناة في السجون المغربية لتكشف عن واقع مرير يعيشه المعتقلون السياسيون الصحراويون، واقع يتسم بالإهمال الطبي المتعمد، والتشفي والانتقام، والأحكام المؤبدة الجائرة. في قلب هذه المأساة، تبرز قضية المدافع عن حقوق الإنسان والسجين السياسي الصحراوي النعمة الأسفاري، الذي يخوض إضراباً مفتوحاً عن الطعام كصرخة أخيرة في وجه آلة القمع، لعلها تجد آذاناً صاغية توقظ الضمير الإنساني وتفضح سياسات الهيمنة الاستعمارية في المناطق المحتلة.
خلفية تاريخية: من مخيم “أكديم إزيك” إلى زنازين القهر
لفهم أبعاد قضية النعمة الأسفاري، يجب العودة إلى نوفمبر من عام ألفين وعشرة، حينما أقامت آلاف العائلات الصحراوية مخيم “أكديم إزيك” بالقرب من مدينة العيون المحتلة. كان المخيم الذي ضم أكثر من ستة آلاف وخمسمائة خيمة تعبيراً سلمياً عن الاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية، والتمييز الممنهج الذي تمارسه السلطات المغربية ضد أبناء الشعب الصحراوي في أرضهم المحتلة.
في الثامن من نوفمبر من العام ذاته، تدخلت قوات الأمن المغربية لتفكيك المخيم بالقوة، جاء ذلك بعد تعهّدها بحلّ القضية خلال المفاوضات التي جرت بين الشباب المشرفين على المخيم والسلطات المغربية. وعلى إثر ذلك، شنّت السلطات المغربية حملة اعتقالات واسعة طالت العشرات من النشطاء الصحراويين، من بينهم النعمة الأسفاري، الذي تم اعتقاله في السابع من نوفمبر، أي قبل يوم واحد من تفكيك المخيم، في مشهد يكشف عن طابع الاستهداف المسبق والمدروس.
النعمة الأسفاري: رمز النضال والصمود
النعمة الأسفاري مدافع بارز عن حقوق الإنسان ونائب رئيس “لجنة الحريات واحترام حقوق الإنسان في الصحراء الغربية” المعروفة بـ”كوريلسو”. لم تكن هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها للاعتقال؛ ففي عام ألفين وتسعة، سُجن لمدة أربعة أشهر لمجرد حيازته سلسلة مفاتيح تحمل صورة العلم الصحراوي، في دلالة صريحة على أن مجرد التعبير عن الهوية الوطنية يُعدّ في نظر السلطات المغربية جريمة تستوجب العقاب.
بعد اعتقاله في أحداث “أكديم إزيك”، تعرض الأسفاري لتعذيب شديد ومعاملة قاسية. ووفقاً لتقارير حقوقية موثقة، احتُجز في مكان مجهول لمدة خمسة أيام، معصوب العينين ومكبّل اليدين، حيث أُجبر تحت التعذيب على التوقيع على اعترافات لم يطلع على محتواها. وقد خلصت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في قرارها المتعلق بقضيته إلى أن المغرب انتهك عدة مواد من اتفاقية مناهضة التعذيب، مع استمرار احتجازه الذي يعتمد على اعترافات موقّعة تحت الإكراه.
بناءً على هذه الاعترافات المنتزعة بالإكراه، حُكم على الأسفاري أمام محكمة عسكرية بالسجن ثلاثين عاماً، وهو الحكم الذي أيدته محكمة استئناف مدنية في عام ألفين وسبعة عشر، ليظل خلف القضبان حتى اليوم وقد تجاوز احتجازه خمسة عشر عاماً متواصلة.
إضراب الأمعاء الخاوية: سلاح المقهورين
أمام تجاهل السلطات المغربية لمطالبه المشروعة واستمرار الإهمال الطبي والانتهاكات داخل السجون، أعلن النعمة الأسفاري في 08/06/2026 دخوله في إضراب مفتوح عن الطعام، بعد سلسلة من الإضرابات الإنذارية التي لم تلقَ أي استجابة جدية من الجانب المغربي. وقد جاء هذا القرار، وفق ما أفادت به رابطة حماية السجناء الصحراويين، بعد أن واجهت إدارة السجون المغربية تلك الإضرابات بـ”آذان صمّاء”، وتهربت كالعادة من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية.
يهدف الأسفاري من خلال إضرابه إلى تسليط الضوء على الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها هو ورفاقه، والمطالبة بتحسين ظروف الاعتقال وتوفير الرعاية الطبية اللازمة، والسماح بالزيارات العائلية. وتجدر الإشارة إلى أن زوجته الناشطة الفرنسية كلود مونجان مُنعت من زيارته للسنة السابعة على التوالي، في انتهاك صارخ لأبسط الحقوق الإنسانية المكفولة بموجب القانون الدولي.
الانتهاكات في السجون المغربية: سياسة ممنهجة
لا تقتصر معاناة المعتقلين الصحراويين على الأحكام الجائرة، بل تمتد لتشمل ظروف اعتقال لاإنسانية موثقة بالتفصيل. وقد رصد التقرير السنوي لعام ألفين وخمسة وعشرين الصادر عن “رابطة حماية السجناء الصحراويين بالسجون المغربية” تحت عنوان “لا علاج.. لا زيارة.. لا عدالة” تدهوراً خطيراً في أوضاع هؤلاء الأسرى، متهماً سلطات الاحتلال المغربي باتباع سياسة ممنهجة من الاعتقال السياسي والمحاكمات الصورية والإهمال الطبي المتعمد.
يُعدّ الإهمال الطبي الانتهاكَ الأكثر تكراراً وخطورة، إذ تم رفض العلاج أو النقل إلى المستشفى لعشرات الحالات مما يهدد حياة المعتقلين. وقد وثّق التقرير حالات حُرم فيها معتقلون من علاج أمراض مزمنة رغم توافر تقارير طبية تؤكد خطورة حالتهم منذ سنوات، فضلاً عن تقديم أدوية منتهية الصلاحية لبعضهم. وإلى جانب ذلك، تعرض المعتقلون للسب والشتم والتهديد والتفتيش المهين وإتلاف ممتلكاتهم الشخصية، كما شملت الانتهاكات مداهمة الزنازين ليلاً ورش المبيدات السامة على المعتقلين أثناء تواجدهم بداخلها.
أما على صعيد الحرمان من التواصل، فقد تصاعدت الإجراءات الانتقامية بحق المعتقلين وعائلاتهم، إذ جرى قطع الاتصال الهاتفي بشكل متعمد عن معتقلين كإجراء عقابي، ومُنعت الزيارات العائلية لأسر قادمة من الخارج. كما واصلت السلطات المغربية سياسة الترحيل التعسفي، بنقل المعتقلين إلى سجون تبعد مئات الكيلومترات عن عائلاتهم في الصحراء الغربية، في مخالفة صريحة للمادة التاسعة والخمسين من قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء التي تنص على توزيع السجناء في مؤسسات قريبة من منازلهم قدر المستطاع.
الإدانات الدولية وموقف الأمم المتحدة
لم تبقَ الانتهاكات المغربية طي الكتمان، بل توالت الإدانات من قبل الهيئات الدولية. ففي مايو من عام ألفين وستة وعشرين، أصدرت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب تقريراً اتهمت فيه المغرب بارتكاب انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان ضد معتقلي “أكديم إزيك”، مؤكدةً أن القضايا العشر التي نظرت فيها حتى الآن تكشف عن “نمط متسق” من الاعتقال التعسفي والحبس الانفرادي والتعذيب أثناء الاستجواب واستخدام الاعترافات المنتزعة تحت الإكراه في الإجراءات القضائية.
وقد وصف نائب رئيس اللجنة بيتر فيديل كيسينغ هذه الانتهاكات بأنها ليست حالات معزولة بل تعكس مشكلة هيكلية في طريقة تعامل المغرب مع قضايا أكديم إزيك، مضيفاً أن تكرار ادعاءات التعذيب وتجاهلها ثم إصدار أحكام إدانة مبنية على تصريحات متنازع عليها يضع الحظر المطلق على التعذيب في خطر حقيقي.
وفي السياق ذاته، طالبت كل من منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية بإنهاء المحاكمات الجائرة والإفراج عن المعتقلين السياسيين الصحراويين، مؤكدتين أن استمرار سجن مجموعة “أكديم إزيك” على أساس أدلة مشكوك فيها يُثبت أن المحاكمة العادلة لمعارضي الحكم المغربي للصحراء الغربية ما هو إلا سراب.
إن إضراب النعمة الأسفاري عن الطعام ليس مجرد معركة شخصية من أجل البقاء، بل هو تجسيد حي لرفض الهيمنة الاستعمارية ومقاومة سياسات القمع والانتقام. فمن خلف جدران سجن القنيطرة، يواصل رجل عمره ستة وخمسون عاماً نضاله بأسلحة الأمعاء الخاوية والإرادة الصلبة، في مواجهة منظومة قمع تستخدم الأحكام المؤبدة والإهمال الطبي والعزل القسري أدواتٍ للتشفي والانتقام من كل صوت يرفض الخضوع.
وفي ظل الصمت الدولي المريب وتجاهل قرارات الأمم المتحدة المتكررة، تبقى صرخة الأمعاء الخاوية شهادة على صمود شعب يأبى الاستسلام، وتذكيراً مستمراً بأن العدالة لا يمكن أن تُغيّب خلف قضبان السجون السيئة الذكر، وأن الضمير الإنساني الحي مدعوٌّ اليوم قبل الغد إلى التحرك.
تعليقات
إرسال تعليق