في أعقاب انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لم تكتفِ تركيا بمتابعة مجريات الأحداث عبر نشرات الأخبار، ولم تقتصر على إصدار التصريحات السياسية المعتادة، بل انكبّت على دراسة هذه الحرب بكل تفاصيلها ودقائقها. والأمر اللافت في هذا السياق أن الجهة التي تولّت هذه المهمة لم تكن وزارة الدفاع، بل أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية التي تأسست عام 2023، بهدف تقديم رؤية استراتيجية متكاملة حول التحولات العسكرية والأمنية والجيوسياسية.
أبرز ما توصّلت إليه الدراسة
خلصت الدراسة إلى أن طبيعة الحروب الحديثة قد تغيّرت تغيّرًا جذريًا وشاملًا، وأن القوة العسكرية لم تعد تُقاس بعدد الطائرات والدبابات وحدها، بل باتت تُقاس بمعايير مختلفة تمامًا، في مقدّمتها سرعة معالجة المعلومات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي، وامتلاك قدرات الحرب الإلكترونية، فضلًا عن القدرة على الاستمرار في إنتاج الأسلحة خلال مراحل الحروب المطوّلة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة لا تمثّل مجرد بحث أكاديمي نظري، بل هي وثيقة استراتيجية تسعى إلى رسم ملامح الجيش التركي وتحديد توجهاته خلال السنوات المقبلة.
حدود التفوق الجوي
من أبرز ما كشفته الدراسة أن الحرب أظهرت بجلاء حدود التفوق الجوي التقليدي؛ إذ على الرغم من امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل لأحدث الطائرات المقاتلة وأكثرها تطورًا، فإن إيران واصلت إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ونجحت في فرض حرب استنزاف مكلفة استنزفت منظومات الدفاع الجوي الباهظة الثمن. وانطلاقًا من هذه المعطيات، ترى الأكاديمية أن مستقبل الحروب لن يكون حكرًا على من يمتلك الأسلحة الأكثر تكلفةً وتطورًا، بل سيكون لمن يستطيع إنتاجها بكميات وفيرة، والصمود في ميادين القتال لفترات أطول، والحفاظ على صناعاته العسكرية في مختلف الظروف والأحوال.
التوصيات العملية للدراسة
لم تتوقف الدراسة عند التحليل النظري، بل تجاوزته إلى تقديم جملة من التوصيات العملية، أبرزها توسيع قاعدة الصناعات الدفاعية المحلية وتعزيزها، وإنشاء منشآت إنتاج وتخزين تحت الأرض، وتطوير منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، والاستثمار المكثّف في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحرب الشبكية.
الرسالة الاستراتيجية الأعمق
خلف هذه الدراسة رسالة أعمق وأشمل؛ فتركيا لا تريد أن تكرر تجارب الآخرين وأخطاءهم، بل تسعى إلى استخلاص الدروس من كل حرب تندلع في محيطها الإقليمي، قبل أن تجد نفسها في مواجهة مشابهة. ولهذا، فإن كل صاروخ أُطلق في الحرب على إيران، وكل طائرة أُسقطت، وكل ثغرة أمنية كُشفت، قد تحوّلت في نظر أنقرة إلى درس عسكري مجاني يُدرس اليوم، ليتحوّل غدًا إلى مشروع تسليحي، أو سلاح جديد، أو عقيدة قتالية متطورة. وهذا ما يميّز الدول الكبرى عن سواها؛ فهي لا تراقب الحروب لأنها بعيدة عنها، بل لأنها تعدّ كل حرب مختبرًا مفتوحًا لاستشراف المستقبل. ومن يُحسن قراءة دروس هذا المختبر اليوم، قد يكون الأقدر والأقوى في حروب الغد.
تعليقات
إرسال تعليق