مقدمة
في مسار أي حركة تحرر وطني، تبرز التباينات في الرؤى والاجتهادات كظاهرة طبيعية وصحية تعكس حيوية المجتمع وقواه الحية. وفي الحالة الصحراوية، حيث النضال مستمر منذ عقود لنيل الاستقلال التام، يطرح النقاش الداخلي إشكالية مفاهيمية عميقة تتعلق بالخط الفاصل بين المعارضة السياسية المشروعة وبين العمالة التي تخدم أجندات الاحتلال المغربي. إن الخلط بين هذين المفهومين يؤدي إلى تشوهات في الوعي الوطني، مما يستوجب تفكيك هذه المفاهيم وإعادة تأصيلها وفق محددات الهدف والوسيلة.
جدلية الهدف والوسيلة في حركات التحرر
تتفق أدبيات النضال التحرري على أن الهدف الأسمى لأي حركة تحرر وطني هو استرجاع السيادة الكاملة على الأرض وطرد المستعمر. وفي هذا الإطار، يُسمح بتعدد الوسائل، سواء أكانت كفاحاً مسلحاً أم عملاً دبلوماسياً أم مقاومة سلمية أم مفاوضات، طالما أنها تصب في خدمة الهدف الاستراتيجي الثابت.
بالمقابل، عندما يصبح الاختلاف حول الهدف ذاته وليس حول الوسيلة، فإننا نخرج من دائرة التباين التكتيكي إلى دائرة الانحراف الاستراتيجي. فالمعارضة داخل الصف الوطني هي تلك التي تنتقد أداء القيادة أو تقترح آليات أسرع وأنجع للوصول إلى الاستقلال. أما التماهي مع أطروحات الاحتلال كقبول الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فهو لا يُعد معارضة، بل هو تبنٍّ صريح لأهداف الخصم.
المعارضة الوطنية: نقد الأداء وحفظ البوصلة
تتميز المعارضة الوطنية في السياق الصحراوي بمجموعة من الخصائص التي تضعها في قلب المشروع التحرري، رغم اختلافها مع القيادة الحالية. أبرز هذه الخصائص التمسك بالاستقلال التام بوصفه خطاً أحمر لا يقبل المساومة، إذ ينطلق كل نقد يوجه للقيادة من الحرص على تحقيق هذا الهدف لا من الرغبة في إجهاضه. وتتميز كذلك باستقلالية القرار، فالمعارضة الحقيقية لا تستمد شرعيتها أو تمويلها من دولة الاحتلال، بل تنبع من إرادة وطنية خالصة. ويتركز الخلاف في هذه الحالة حول الوسائل والتكتيكات وإدارة المرحلة، كالجدل حول كيفية إدارة المعركة الدبلوماسية، أو تفعيل الكفاح المسلح، أو تحسين الأوضاع المعيشية والسياسية في المخيمات والأراضي المحررة.
العمالة المقنّعة: عندما تتطابق الرؤية مع الاحتلال
في المقابل، يبرز صنف آخر يحاول التستر برداء المعارضة أو الواقعية السياسية، بينما هو في الحقيقة يؤدي دوراً وظيفياً يخدم الاحتلال المغربي. ويتجلى ذلك في التسويق لمشاريع الاحتلال والترويج لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كحل وحيد للنزاع ( صحراوين من اجل السلام )وهو ما يتطابق تماماً مع الهدف الاستراتيجي للمغرب في تكريس احتلاله للصحراء الغربية. ويتجلى أيضاً في محاولة ضرب الإجماع الوطني وتفكيك الوحدة الصحراوية وإضعاف الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي في المحافل الدولية. أما الارتباط العضوي بالاحتلال والحصول على امتيازات سياسية أو مادية من السلطات المغربية مقابل تلميع صورتها وضرب المشروع الوطني، فهو الدليل الأوضح على الخروج من دائرة المعارضة إلى دائرة العمالة.
المعيار الفاصل: أين يقع الاختلاف؟
إن المعيار الحقيقي الذي يفصل بين المعارض الوطني والعميل لا يكمن في حدة الخطاب أو في مقدار الانتقاد الموجه للقيادة، بل يكمن في الإجابة عن سؤال جوهري واحد: هل يؤمن هذا الشخص بالاستقلال التام للصحراء الغربية هدفاً نهائياً لا تنازل عنه؟ فإن كان الجواب نعم، وكان خلافه مع القيادة يدور حول الكيفية والأسلوب والسرعة، فهو معارض وطني تحتاجه الثورة وتستفيد من نقده. وإن كان الجواب لا، وكان يرى في الحكم الذاتي أو الاندماج تحت السيادة المغربية نهاية مقبولة، فإن رؤيته تتطابق مع أهداف الاحتلال بصرف النظر عن النوايا الشخصية.
إن التمييز بين المعارض والعميل في الثورة الصحراوية لا يخضع لمعايير عاطفية، بل يستند إلى محددات سياسية ووطنية واضحة. فالاختلاف في وجهات النظر حول الكيفية أو الطريق الأسرع لنيل الاستقلال هو ظاهرة صحية تثري النضال الوطني وتدفعه نحو الأمام. أما عندما يتحول الاختلاف إلى تنازل عن الهدف وتتطابق الرؤية مع أهداف الاحتلال المغربي، فإن ذلك يخرج بصاحبه من دائرة المعارضة الوطنية ليدخله في دائرة العمالة والارتهان لأجندات المستعمر. إن بوصلة النضال الصحراوي يجب أن تظل موجهة نحو الاستقلال التام، وكل ما يحيد عن هذا الهدف لا يمثل إرادة الشعب الصحراوي مهما تزيّن بلباس المعارضة أو ادّعى الواقعية السياسية.
اذا سلمنا جدلاً ان القيادة منتخبة ،فان الاسلوب الاكثر منطقية هو نقد الاساليب وطرح البدائل مع الحفاظ على سرية التفاصيل لمنع العدو من معرفة الخطط،وهكذا تكون المعارضة وطنية وتخدم هدف التحرير.
ردحذفاما غير ذلك فهو طموح للسلطة وخدمة للعدو بشكل مباشر او غير مباشر