يثير موضوع منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين خلال فترة الاستعمار الإسباني للصحراء الغربية جدلاً واسعاً يتجاوز الأبعاد الإنسانية البحتة، ليلامس عمق الحسابات السياسية والمصالح الاقتصادية المتشابكة. فبينما يتفاخر بعض السياسيين الإسبان بمشاريع قوانين تهدف إلى إنصاف الصحراويين الذين عاشوا تحت الإدارة الإسبانية قبل عام 1976، تبرز تساؤلات جوهرية حول حقيقة هذا الدعم الإنساني في ظل استمرار استغلال الشركات الإسبانية لثروات الإقليم، والمواقف السياسية المتقلبة لمدريد تجاه قضية الصحراء الغربية.
السياق التاريخي: من الاستعمار إلى التخلي
بدأ التدخل الإسباني في الصحراء الغربية أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً في عام 1884، واستمر قرابة تسعة عقود حتى انسحاب إسبانيا بموجب “اتفاقيات مدريد” في 14 نوفمبر 1975. بموجب هذا الاتفاق الثلاثي بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا، تخلت مدريد عن مسؤولياتها الإدارية، تاركةً وراءها فراغاً قانونياً وسياسياً أدى إلى اندلاع نزاع مستمر حتى اليوم.
هذا الانسحاب المفاجئ ترك آلاف الصحراويين، الذين كانوا يُعتبرون رعايا إسبان، في حالة من انعدام الجنسية. ومنذ ذلك الحين، يعاني العديد منهم من صعوبات قانونية وإنسانية كبيرة، مما دفع بعض القوى السياسية الإسبانية، خاصة اليسارية منها، إلى المطالبة بتصحيح هذا “الخطأ التاريخي” عبر منحهم الجنسية الإسبانية.
مقترح قانون الجنسية: إنسانية أم مناورة سياسية؟
تقدمت كتل برلمانية إسبانية، في مقدمتها تحالف “سومار”، بمشروع قانون يهدف إلى منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين قبل عام 1976 ولأبنائهم. وقد حظي هذا المقترح بدعم واسع من أحزاب اليسار، وتمت الموافقة عليه في بعض اللجان البرلمانية خلال يونيو 2026. ومع ذلك، واجه عراقيل كبيرة، أبرزها معارضة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني الحاكم، الذي يُتهم بتجميد المشروع داخل لجان البرلمان.
وتنتقد شخصيات سياسية، مثل النائبة الإسبانية من أصل صحراوي “تِش سيدي”، موقف الحزب الاشتراكي، معتبرةً أنه يتهرب من مسؤوليته التاريخية تجاه الشعب الصحراوي، ويخضع لحسابات دبلوماسية مع المغرب. وقد صرّحت بأن “الحزب الاشتراكي يفلت من المحاسبة في معارضته للشعب الصحراوي”، مضيفةً أن “خمسين عاماً من التخلي” تستوجب اعترافاً رسمياً واعتذاراً تاريخياً. وقد تعمّق هذا التوتر منذ عام 2022، حين أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز دعم إسبانيا لمقترح الحكم الذاتي المغربي، في تحول دبلوماسي أثار موجة واسعة من الانتقادات داخل اليسار الإسباني نفسه.
التناقض الصارخ: إنسانية في البرلمان ونهب في الميدان
إن اختزال القضية الصحراوية في الجانب الإنساني المتمثل في منح الجنسية يُغفل جانباً مظلماً من العلاقة الإسبانية بالصحراء الغربية، وهو الاستغلال الاقتصادي المستمر. ففي الوقت الذي يُطرح فيه قانون الجنسية كحل لمعاناة الصحراويين، تستمر العديد من الشركات الإسبانية في الاستفادة من الثروات الطبيعية للإقليم المحتل.
تزخر الصحراء الغربية بثروات طبيعية هائلة تشمل الفوسفات، والثروة السمكية، والرمال، فضلاً عن إمكانيات واسعة في مجال الطاقة المتجددة. وتشير التقارير إلى أن الشركات الإسبانية تلعب دوراً بارزاً في استغلال هذه الثروات، لا سيما في قطاعي الصيد البحري واستيراد الرمال. إذ تُعدّ الشركات الإسبانية من أكبر المستفيدين من اتفاقيات الصيد في المياه الإقليمية للصحراء الغربية، كما أن نسبة كبيرة من الرمال المستخرجة من هذا الإقليم تُصدَّر إلى إسبانيا لاستخدامها في البناء وتهيئة الشواطئ.
هذا الاستغلال الاقتصادي يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الإنساني لبعض السياسيين الإسبان. فكيف يمكن لدولة أن تدّعي السعي لرفع المعاناة عن شعب من خلال منحه الجنسية، بينما تسمح لشركاتها بالاستمرار في استنزاف موارده الطبيعية التي هي أساس حقه في التنمية وتقرير المصير؟ وقد أكدت محكمة العدل الأوروبية في أحكام متعاقبة أن الصحراء الغربية إقليم منفصل عن المغرب، وأن استغلال ثرواته دون موافقة الشعب الصحراوي يُعدّ انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، غير أن الحكومات الإسبانية المتعاقبة واصلت تغليب مصالحها الاقتصادية على هذه الالتزامات القانونية.
الحل السياسي هو الأساس
إن معاناة الشعب الصحراوي، سواء في مخيمات اللجوء أو في مناطق المحتلة ، لا يمكن حلها بمجرد إجراءات إدارية كمنح الجنسية، على الرغم من أهميتها الإنسانية لبعض الأفراد. الحل الحقيقي الذي يحتاجه الصحراويون هو حل سياسي شامل وعادل يضمن حقهم في تقرير المصير وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.
إذا كانت إسبانيا جادة في رفع المعاناة عن الشعب الصحراوي، فإن مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية تتطلب خطوات أعمق من مجرد منح الجنسية. أولاها وقف الاستغلال الاقتصادي عبر سنّ قوانين تمنع الشركات الإسبانية من استغلال ثروات الصحراء الغربية دون موافقة ممثلي الشعب الصحراوي. وثانيها اتخاذ موقف سياسي متوازن يقوم على دعم مسار التسوية الأممي بدلاً من الانحياز إلى الموقف المغربي، وهو ما يتعارض مع مبدأ الحياد الذي طالما ادّعته مدريد.
إن التركيز على الجانب الإنساني المتمثل في قانون الجنسية الإسبانية، مع تجاهل البعد السياسي والاقتصادي، يُعدّ في جوهره تكريساً للأمر الواقع لا إنصافاً حقيقياً. فالجنسية، وإن كانت حقاً مشروعاً لبعض الأفراد، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحقوق الوطنية والسيادية للشعب الصحراوي على أرضه وثرواته. إسبانيا مطالبة بمواجهة ماضيها الاستعماري وحاضرها الاقتصادي في الصحراء الغربية بشفافية وجرأة، لتكون جزءاً من الحل الحقيقي بدلاً من الاكتفاء بمسكنات قانونية لا تعالج أصل الداء، ولا تُغني عن الحق الأصيل للشعب الصحراوي في تقرير مصير
تعليقات
إرسال تعليق