كيف انتزع الشعب الصحراوي انتصارًا قانونيًا أمام الاتحاد الأوروبي: من محاكم بريطانيا إلى محكمة العدل الأوروبية
يُعد النزاع في الصحراء الغربية من أطول النزاعات الإقليمية في القارة الأفريقية، إذ يخضع جزء من الإقليم لسيطرة المغرب منذ انسحاب إسبانيا عام 1975. في خضم هذا النزاع السياسي والعسكري، برزت جبهة قانونية دولية هامة تتعلق باستغلال الثروات الطبيعية للإقليم. لقد شكلت المعركة القانونية التي خاضها الشعب الصحراوي، ممثلاً في جبهة البوليساريو والمنظمات المتضامنة معه، مساراً طويلاً توج بانتصارات تاريخية أمام أعلى الهيئات القضائية في أوروبا. يسلط هذا المقال الضوء على مسار هذه المعركة القانونية، بدءاً من الدعوى التي رُفعت في بريطانيا عام 2013، وصولاً إلى الحكم النهائي والتاريخي لمحكمة العدل الأوروبية في أكتوبر 2024.
شرارة البداية: حملة الصحراء الغربية في المملكة المتحدة
في عام 2013، بدأت منظمة “حملة الصحراء الغربية في المملكة المتحدة” تحركاتها القانونية، وفي عام 2015 رفعت دعوى قضائية رسمية أمام المحكمة العليا البريطانية ضد جهتين حكوميتين بريطانيتين، هما وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية، وإدارة الإيرادات والجمارك. استندت الدعوى إلى حجة مفادها أن الحكومة البريطانية تتصرف بشكل غير قانوني من خلال السماح باستيراد منتجات قادمة من الصحراء الغربية وتطبيق تعريفات جمركية تفضيلية عليها بموجب اتفاقيات التجارة والشراكة المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.
أكدت المنظمة أن سيادة المغرب لا تمتد إلى إقليم الصحراء الغربية أو مياهها الإقليمية، وبالتالي لا ينبغي معاملة المنتجات المستخرجة من هناك، سواء كانت زراعية أو سمكية، على أنها منتجات مغربية. وفي أكتوبر 2015، أقر القاضي بليك في المحكمة العليا البريطانية بوجود حالة قابلة للنقاش حول خطأ واضح من قبل المفوضية الأوروبية في فهم وتطبيق القانون الدولي ذي الصلة بهذه الاتفاقيات، وقرر إحالة القضية إلى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي للبت فيها.
الثروات الطبيعية: جوهر النزاع الاقتصادي
يمتلك إقليم الصحراء الغربية ثروات طبيعية هائلة تجعله محط أطماع اقتصادية كبيرة. تتمحور أبرز هذه الثروات حول الفوسفات الذي يُعد من أجود أنواعه في العالم، وتقوم شركة الفوسفات المغربية المملوكة للدولة باستخراجه وتصديره كمادة حيوية للأسمدة الزراعية العالمية. إلى جانب ذلك، يُعد ساحل الصحراء الغربية من أغنى مصايد الأسماك في العالم، وقد شكلت هذه المياه جزءاً كبيراً من اتفاقيات الصيد بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، حيث تستفيد أساطيل الصيد الأوروبية، وخاصة الإسبانية، بشكل كبير منها. فضلاً عن ذلك، شهد الإقليم توسعاً في المشاريع الزراعية، ولا سيما زراعة الطماطم والبطيخ، التي تُصدر إلى الأسواق الأوروبية وتُباع على أنها منتجات مغربية، مما يستنزف الموارد المائية الجوفية للإقليم.
لقد تورطت دول أوروبية كبرى، وفي مقدمتها فرنسا وإسبانيا وألمانيا، بشكل مباشر أو غير مباشر في استغلال هذه الثروات من خلال دعم الاتفاقيات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. ورغم أن هذه الاتفاقيات تتناقض مع مبادئ القانون الدولي التي تنص على عدم جواز استغلال ثروات إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي دون موافقة شعبه، إلا أن المصالح الاقتصادية والسياسية دفعت هذه الدول لدعم الموقف المغربي. وقد أدرك المسؤولون المغاربة أنفسهم هذا البُعد السياسي، إذ صرح وزير الاتصالات المغربي عام 2013 بأن الاتفاقيات الدولية التي لا تستثني الصحراء الغربية من نطاق تطبيقها تُثبت أنها جزء من المغرب، كاشفاً بذلك عن التوظيف السياسي للاتفاقيات الاقتصادية.
المعارك القانونية المتتالية أمام محاكم الاتحاد الأوروبي
بموازاة القضية البريطانية، قادت جبهة البوليساريو، الممثل الشرعي المعترف به أممياً للشعب الصحراوي، سلسلة من الدعاوى القضائية المباشرة ضد مجلس الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية لإلغاء الاتفاقيات التي تشمل الصحراء الغربية. في عام 2012، رفعت البوليساريو دعوى لإلغاء اتفاقية الزراعة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وفي ديسمبر 2015 ألغت المحكمة العامة الاتفاقية جزئياً. وبعد استئناف المجلس، أصدرت محكمة العدل الأوروبية حكماً في ديسمبر 2016 يؤكد أن الصحراء الغربية منفصلة ومتميزة عن المغرب، ولا يمكن تطبيق الاتفاقيات عليها دون موافقة شعبها.
وبناءً على إحالة المحكمة البريطانية، حكمت محكمة العدل الأوروبية في فبراير 2018 بأن اتفاقية الشراكة في مجال الصيد البحري لا تنطبق على الصحراء الغربية ومياهها. وفي العام ذاته، أصدرت المحكمة حكماً مماثلاً بشأن اتفاقية الطيران بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، مؤكدةً أن المبادئ القانونية ذاتها تسري على جميع الاتفاقيات التي تمس الإقليم.
غير أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بدلاً من الامتثال لهذه الأحكام، أعادت التفاوض مع المغرب عام 2019 لتعديل الاتفاقيات التجارية وإدراج الصحراء الغربية صراحةً في نطاقها، مدعيةً أنها أجرت مشاورات مع السكان المحليين. وقد كشفت التحقيقات لاحقاً أن قائمة المستشارين المزعومين شملت نحو مئة منظمة صحراوية وأوروبية لم تشارك فعلياً في أي مشاورات، بل رفضت هذه الاتفاقيات رفضاً قاطعاً. طعنت البوليساريو في هذه الاتفاقيات الجديدة، وفي سبتمبر 2021 ألغت المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي هذه الاتفاقيات مجدداً، مؤكدةً أن المشاورات التي أجرتها المفوضية لا يمكنها أن تحل محل الموافقة الحقيقية للشعب الصحراوي.
انتصار أكتوبر 2024 التاريخي
بلغ المسار القانوني ذروته في الرابع من أكتوبر 2024، عندما أصدرت الغرفة الكبرى لمحكمة العدل الأوروبية حكمها النهائي في الطعون المقدمة من المفوضية ومجلس الاتحاد الأوروبي ضد أحكام الإلغاء لعام 2021. رفضت المحكمة جميع الطعون بالكامل، وأرست بذلك جملة من المبادئ القانونية الراسخة.
أكدت المحكمة أن إبرام اتفاقيات تجارية تشمل الصحراء الغربية يمثل انتهاكاً صريحاً لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ولمبدأ الأثر النسبي للمعاهدات الذي يقضي بعدم إلزام طرف ثالث بمعاهدة لم يوافق عليها. كما رفضت المحكمة رفضاً قاطعاً ادعاء الاتحاد الأوروبي بأنه تشاور مع الشعب الصحراوي، موضحةً أن المشاورات شملت السكان الحاليين للإقليم الذين يشكل المستوطنون المغاربة أغلبيتهم، وليس الشعب الصحراوي الذي يعيش جزء كبير منه في مخيمات اللجوء في الجزائر منذ سبعينيات القرن الماضي. وشددت المحكمة على التمييز القانوني الجوهري بين مصطلح السكان ومصطلح الشعب صاحب السيادة وحق تقرير المصير.
وفيما يخص شرط الموافقة، نصت المحكمة على أنه وإن كانت الموافقة لا تشترط دائماً أن تكون صريحة، إذ يمكن في حالات محددة افتراضها حين يوفر الاتفاق فائدة محددة وملموسة وجوهرية وقابلة للتحقق للشعب المعني من استغلال موارد أرضه، إلا أن الاتفاقيات المطعون فيها لا توفر أي فائدة ولا أي مساهمة مالية للشعب الصحراوي من استغلال ثرواته الطبيعية، ومن ثم لا يمكن افتراض موافقته عليها بأي حال. وفي حكم مرتبط صدر في اليوم ذاته، ألزمت المحكمة بضرورة وضع ملصقات على المنتجات الزراعية المستوردة من الإقليم تشير بوضوح إلى الصحراء الغربية كبلد منشأ، مع استبعاد أي إشارة إلى المغرب، لتجنب تضليل المستهلكين الأوروبيين.
لقد أثبت الشعب الصحراوي، من خلال هذا المسار القضائي الطويل والمعقد، قدرته على توظيف آليات القانون الدولي والمحاكم الأوروبية لانتزاع اعتراف قانوني لا لبس فيه بحقوقه السيادية على أرضه وثرواته. ورغم أن دولاً وازنة في الاتحاد الأوروبي ترتبط بمصالح اقتصادية وجيوسياسية عميقة مع المغرب، وهي ذاتها شريكة في الاستفادة من الاتفاقيات التجارية المطعون فيها، إلا أن سلطة القانون وقوة الحجة القانونية أجبرت مؤسسات الاتحاد الأوروبي على الرضوخ لأحكام محاكمها العليا.
يمثل حكم أكتوبر 2024 ليس فقط إبطالاً لاتفاقيات تجارية مجحفة، بل هو ترسيخ قانوني دولي يعزز الموقف التفاوضي لجبهة البوليساريو، ويضع حداً قانونياً صريحاً لمحاولات تشريع الأمر الواقع واستغلال ثروات الصحراء الغربية دون إرادة شعبها. وقد بات على الاتحاد الأوروبي الآن، وفق ما أقرته محاكمه العليا، أن يُعيد النظر في طبيعة علاقاته مع المغرب بما يحترم سيادة الشعب الصحراوي على أرضه وموارده.
تعليقات
إرسال تعليق