أحدثت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر زلزالاً سياسياً وجيوسياسية تجاوزت ارتداداته جغرافيا الشرق الأوسط لتشمل النظام الدولي بأسره. فقد كشفت هذه الحرب عن تراجع ملحوظ في السردية الإسرائيلية والنفوذ الأمريكي، وأظهرت ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، في حين أبرزت صمود محور المقاومة وقدرته على فرض معادلات جديدة. هذه التحولات الدولية العميقة تحمل تداعيات استراتيجية مباشرة على القضية الصحراوية، نظراً للارتباط التاريخي والوثيق بين المملكة المغربية وحليفيها الاستراتيجيين الولايات المتحدة وإسرائيل. يناقش هذا المقال الجذور التاريخية لهذا التحالف وكيف يمكن لتراجع مكانة هؤلاء الحلفاء أن يؤثر إيجاباً على مسار القضية الصحراوية، ويفتح آفاقاً جديدة أمام حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
الجذور التاريخية للتحالف: كيسنجر وإسرائيل في هندسة الاحتلال
لم يكن ارتباط القضية الصحراوية بالولايات المتحدة وإسرائيل وليد اللحظة أو نتاجاً لاتفاقيات أبراهام الحديثة، بل يمتد بجذوره إلى البدايات الأولى للصراع في سبعينيات القرن الماضي. فقد لعبت الدبلوماسية الأمريكية، بقيادة وزير الخارجية آنذاك هنري كيسنجر، دوراً محورياً في هندسة وتمكين السيطرة المغربية على الإقليم. تشير الوثائق والشهادات التاريخية إلى أن كيسنجر، وفي خضم الحرب الباردة ورغبته في منع قيام دولة يسارية أو غير موالية للغرب في شمال أفريقيا، منح الملك الحسن الثاني ضوءاً أخضر، أو على الأقل تفهماً ضمنياً، للمضي قدماً في سيطرته على الصحراء الغربية وتجاوز قرار محكمة العدل الدولية الذي أقر بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير . وقد توج هذا الدعم بتنظيم المسيرة الخضراء في 31/10/1975، والتي مثلت غطاءً لغزو ديموغرافي وعسكري للإقليم، بدعم أمريكي لتأمين المصالح الجيوسياسية الغربية .
على الصعيد الميداني والعسكري، كان التدخل الإسرائيلي حاسماً في تغيير موازين القوى . ففي مطلع الثمانينيات، وأمام الهجمات الناجحة للجيش الشعبي الصحراوي ، نصح الجنرال الإسرائيلي إسحاق رابين القيادة العسكرية المغربية ببناء جدار عازل لحماية المناطق الحيوية ومناجم الفوسفات في الصحراء الغربية وبمساعدة خبراء عسكريين ومهندسين إسرائيليين وفرنسيين، وبتمويل خليجي، شرع المغرب في بناء الجدار الرملي، المعروف بحزام الرمال أو جدار العار، والذي يمتد لأكثر من 2720 كلم، محاطاً بأطول حقل ألغام متصل في العالم
هذا الجدار، الذي صُمم بخبرة إسرائيلية مستوحاة من تقنيات التحصين العسكري، أدى إلى تقسيم الإقليم ومما يعكس عمق التورط الإسرائيلي في تصميم هندسة الاحتلال منذ بداياته.
طوفان الأقصى: زلزال جيوسياسي وسقوط سردية الردع
شكلت عملية 07/10 مفاجأة استراتيجية ضربت في الصميم نظرية الردع الإسرائيلية التي تأسست عليها العقيدة الأمنية لدولة الاحتلال. لم تقتصر الخسارة الإسرائيلية على الجانب العسكري والميداني، بل امتدت لتشمل حرب السرديات. فقد تراجعت السردية الإسرائيلية التي هيمنت لعقود في الغرب، وظهرت بدلاً منها سردية فلسطينية قوية مدعومة بحراك شعبي عالمي غير مسبوق، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا.
أدى هذا التحول إلى تضرر المكانة الدولية لإسرائيل بشكل كبير. وقد أشارت تقارير حديثة إلى تراجع غير مسبوق في مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، مع تحول سياسي وشعبي متزايد ضدها، لا سيما بين الشباب. هذا التراجع في الدعم المطلق يشير إلى بداية تصدع في التحالف الاستراتيجي الذي طالما اعتبر من الثوابت في السياسة الدولية.
ازدواجية المعايير وأزمة النظام الدولي
فضحت حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة هشاشة النظام الدولي وازدواجية المعايير لدى القوى الغربية. فرغم الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني، وقفت الولايات المتحدة وحلفاؤها موقف الداعم والمبرر للجرائم الإسرائيلية. هذا التناقض طعن في مصداقية الأمم المتحدة ومؤسساتها، وأثبت للعديد من الشعوب المضطهدة أن الاعتماد على الشرعية الدولية وحدها لا يكفي لاسترداد الحقوق دون قوة تفرضها على الأرض.
صمود محور المقاومة وتراجع الهيمنة الأمريكية
أثبتت الحرب في غزة وتداعياتها الإقليمية صمود محور المقاومة، وخاصة الدور الفاعل الذي لعبته أطراف مثل إيران واليمن. فقد نجح الحوثيون في فرض حصار بحري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مما أثر بشكل مباشر على الملاحة الدولية والاقتصاد الإسرائيلي، وأجبر الولايات المتحدة على الانخراط في اشتباكات عسكرية مباشرة.
هذا الصمود تجاوز التوقعات، وأظهر قدرة هذه القوى على تحدي المخططات الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية والأمريكية. كما أثبتت إيران قدرتها على تجاوز خطر تغيير النظام، وفرضت نفسها كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه أو إخضاعه للإملاءات الأمريكية، مما يعكس تراجعاً في النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وقصر نفس واشنطن في إدارة صراعات طويلة الأمد.
التحالف الثلاثي المعاصر ومسار التطبيع
استمراراً لهذا الإرث التاريخي، ارتبط مسار القضية الصحراوية في السنوات الأخيرة بشكل وثيق بالتحالف الاستراتيجي المتجدد بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل. ففي إطار اتفاقيات أبراهام، اعترفت الإدارة الأمريكية بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، مقابل استئناف المغرب علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل. .
تنامى التعاون العسكري والأمني بين المغرب وإسرائيل بشكل لافت، حيث عقد المغرب صفقات تسليح إسرائيلية ضخمة شملت طائرات مسيرة، وأنظمة دفاع جوي، وأقمار تجسس. يهدف المغرب من خلال هذا التحالف إلى تعزيز موقفه العسكري والسياسي في مواجهة الجيش الشعبي الصحراوي ، معتمداً على والتعاون العسكري والأمني الوثيق.
التداعيات الاستراتيجية على القضية الصحراوية
إن تراجع مكانة ونفوذ كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، الحليفين الاستراتيجيين والتاريخيين للمغرب، يحمل تداعيات إيجابية واستراتيجية على مسار القضية الصحراوية.
أولاً،
ضعف الغطاء السياسي والدبلوماسي للمغرب. يستمد المغرب جزءاً كبيراً من قوته ونفوذه الدبلوماسي في ملف الصحراء الغربية من الدعم الأمريكي والإسرائيلي المستمر منذ عهد كيسنجر. ومع تراجع مكانة إسرائيل دولياً، وانشغال الولايات المتحدة بأزماتها الداخلية والخارجية وتراجع هيمنتها العالمية، قد يجد المغرب نفسه أمام تراجع في الدعم السياسي القوي الذي كان يعول عليه لفرض مقاربته للحكم الذاتي وتجاوز حق تقرير المصير.
ثالثاً
، انكشاف هشاشة القوة الإسرائيلية. أثبتت حرب غزة أن التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية والقدرات الاستخباراتية، التي اعتمد عليها المغرب في تصميم الجدار الرملي وتحديث ترسانته، ليست قوة لا تقهر. هذا الانكشاف يقلل من قيمة الردع الذي كان المغرب يأمل في تحقيقه من خلال التسلح الإسرائيلي ضد الجيش الشعبي الصحراوي . كما أن انشغال إسرائيل بحروبها الاستنزافية المتعددة الجبهات يحد من قدرتها على تقديم الدعم العسكري واللوجستي المستمر لحلفائها.
رابعا
تقاطع مسارات المقاومة وتطابق القضيتين. أعادت أحداث غزة تسليط الضوء على أوجه التشابه الكبير بين القضيتين الفلسطينية والصحراوية، من حيث كونهما قضايا تصفية استعمار، واحتلال عسكري، واستيطان، ومصادرة للموارد الطبيعية، وبناء جدران فاصلة مستوحاة من العقلية الأمنية الإسرائيلية ذاتها. كما أن عودة الكفاح المسلح في الصحراء الغربية جاءت نتيجة لانسداد الأفق السياسي، تماماً كما كان السابع من أكتوبر في فلسطين. هذا التطابق يعزز من شرعية المطالب الصحراوية في المحافل الدولية ويزيد من التعاطف الشعبي العالمي معها.
خامساً،
أزمة التطبيع والضغط الداخلي في المغرب. أدى العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة إلى إحراج كبير للأنظمة العربية المطبعة، وعلى رأسها المغرب. فقد شهدت المدن المغربية تظاهرات حاشدة تندد بالتطبيع وتطالب بقطع العلاقات مع إسرائيل. هذا الضغط الشعبي الداخلي يضع النظام المغربي في موقف حرج، وقد يحد من قدرته على المضي قدماً في تعميق تحالفه الاستراتيجي والعسكري مع إسرائيل.
لقد أسس طوفان الأقصى لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية، عنوانها الأبرز هو تراجع الهيمنة الأمريكية وتآكل قوة الردع الإسرائيلية وصعود قوى المقاومة. هذا المشهد الجيوسياسي الجديد يصب في مصلحة حركات التحرر الوطني، وفي مقدمتها جبهة البوليساريو. فتراجع قوة حلفاء المغرب، الذين هندسوا ودعموا احتلاله للصحراء الغربية منذ السبعينيات، يعني بالضرورة تراجعاً في الغطاء السياسي والعسكري الذي يوفره هذا التحالف للمملكة المغربية، مما يفتح نوافذ أمل جديدة أمام الشعب الصحراوي لتعزيز نضاله من أجل انتزاع حقه المشروع في تقرير المصير والاستقلال، مستفيداً من الصحوة العالمية تجاه قضايا التحرر والعدالة.
تعليقات
إرسال تعليق