مجلة The Lancet: منبر علمي عالمي من الطراز الأول
لا يمكن الحديث عن هذه الدراسة دون الوقوف عند المنبر الذي احتضنها. تأسست مجلة The Lancet عام 1823 على يد الجراح البريطاني توماس ووكلي، وهي اليوم واحدة من أرفع المجلات الطبية المحكّمة في العالم، وتُصنَّف باستمرار ضمن أعلى المجلات العلمية تأثيراً في مجال الطب السريري والصحة العامة. تنشر المجلة أبحاثاً أصيلة ومقالات تحليلية تُشكّل توجهات السياسات الصحية العالمية، وتُعدّ نشر دراسة فيها اعترافاً أكاديمياً رفيعاً بأهمية الموضوع المطروح وجدارة الباحثين المساهمين فيه. وقد نشرت المجلة هذه الدراسة في عددها الصادر في الثامن من أغسطس عام 2026، ضمن المجلد الثامن بعد الأربعمائة، في قسم “المنظورات” تحت سلسلة “حالات في الطب الاجتماعي العالمي”.
الأطباء الصحراويون: أصحاب الشهادة والقلم
تتميز هذه الدراسة بأنها لم تصدر عن باحثين خارجيين ينظرون إلى الواقع من بعيد، بل كتبها أطباء صحراويون يعيشون هذا الواقع ويعملون في قلبه. يتصدر قائمة المؤلفين الدكتور لعروسي محمد سالم، الطبيب الصحراوي الذي يجمع بين عمله الميداني في مخيمات الاجيئن الصحراوين في جنوب الجزائر وانتمائه الأكاديمي إلى مستشفى فيرخن دي لا أريكساكا الجامعي في مورسيا بإسبانيا، فضلاً عن ارتباطه بجامعة مورسيا. ويُشاركه في التأليف الدكتور دحمان بشير حمادي، الطبيب الصحراوي المنتسب إلى منظومة “الصحة الصحراوية” في مخيمات اللاجئين الصحراوين في الجزائر، إلى جانب الدكتور السالك علي محمد العبد، الذي يعمل في مستشفى فيغا باخا الجامعي في أوريويلا بإسبانيا ويُعدّ من الأطباء الصحراويين الميدانيين البارزين. كذلك يُسهم في الدراسة الدكتورة راعبوب محمد لامين مهدي، المنتسبة هي الآخرئ إلى منظومة الصحة الصحراوية في مخيمات اللاجئين الصحراويين في الجزائر.
إن هذا التشكيل من الأطباء الصحراويين يمنح الدراسة ثقلاً أخلاقياً ومعرفياً استثنائياً؛ فهم لا يصفون معاناة الآخرين، بل يوثّقون معاناة مجتمعهم بأقلامهم وبشهاداتهم الحية. وقد تعاون هؤلاء مع الباحث الأمريكي الدكتور ثيودور مايكلز من جامعتَي كاليفورنيا في سان فرانسيسكو وبيركلي، والباحثة ماريا كاريون من مهرجان الفيلم الدولي للصحراء الغربية، والبروفيسور سيث هولمز من جامعة كاليفورنيا وجامعة برشلونة، الذي يُعدّ من المؤسسين لسلسلة “حالات في الطب الاجتماعي العالمي” في المجلة ذاتها.
سياق الأزمة: خمسون عاماً من اللجوء
تعود جذور أزمة اللاجئين الصحراويين إلى عام 1975، إثر انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية ونشوب النزاع المسلح الذي أعقب توقيع اتفاقية مدريد التي قسّمت الإقليم بين المغرب وموريتانيا دون الأخذ بإرادة الشعب الصحراوي. أدى ذلك إلى نزوح عشرات الآلاف إلى منطقة تندوف في جنوب غرب الجزائر، حيث أقاموا خمسة مخيمات رئيسية تحت إدارة جبهة الدولة الصحراوية الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية . واليوم، وبعد مرور ما يقرب من خمسة عقود، لا يزال مئة وأربعة وسبعون ألف لاجئ صحراوي يعيشون في هذه المخيمات في واحدة من أطول أزمات اللجوء أمداً في العالم وأكثرها إهمالاً من قِبل وسائل الإعلام الدولية.
يعيش هؤلاء اللاجئون في بيئة صحراوية قاسية تتميز بحرارة مرتفعة وأمطار شحيحة، ويعتمدون بشكل شبه كلي على المساعدات الإنسانية الدولية التي تديرها المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة. ومع تراجع الدعم الدولي وتقلص التمويل جراء الأزمات المتعاقبة كجائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، باتت المخيمات تعاني من نقص حاد في الموارد الأساسية. وتشير التقارير إلى أن السلة الغذائية الأساسية لا تصل إلى كل السكان وتفتقر إلى التنوع والقيمة الغذائية الكافية، مما أفضى إلى انتشار واسع لسوء التغذية وفقر الدم بين الأطفال والنساء على حدٍّ سواء.
قصة إبراهيم: حين يكشف الجسد ما تخفيه السياسة
في يوم حار من شهر أبريل، توجّه الفتى إبراهيم البالغ من العمر خمس عشرة سنة برفقة والدته إلى طبيب في أحد مستشفيات المخيمات الاجيئن الصحراوين في صحراء الجزائر. لاحظت الأم وجود تورمين صغيرين في رقبة ابنها، الذي كان في السابق الأكثر حيوية ونشاطاً بين إخوته الخمسة، غير أنه أصبح يعاني من فقدان الطاقة وشُح الشهية. فحص الطبيب التورمين اللذين كانا غير مؤلمَين ومتحركَين، واشتبه في وجود عدوى، فوصف دواءً مضاداً للالتهابات وطلب منهما العودة إن لم تتحسن الحالة. كان إبراهيم يتمتع بصحة جيدة في السابق، باستثناء معاناته من فقر الدم المزمن، وهي حالة شائعة جداً بين أطفال مجتمعه نتيجة سوء التغذية والظروف المعيشية الصعبة.
تبدو هذه القصة للوهلة الأولى مجرد زيارة طبية عادية، لكن الدراسة تكشف أن ما يقف وراءها أعمق بكثير. فالتورمات في رقبة إبراهيم والخمول الذي أصابه ليسا مجرد أعراض بيولوجية معزولة، بل هما نتاج مباشر لعقود من اللجوء وسوء التغذية وانعدام الرعاية الصحية المتخصصة. وحين يضطر الطبيب إلى الاعتماد على التشخيص السريري الأساسي في غياب أجهزة التصوير والتحاليل المتقدمة، فإن ذلك ليس قصوراً فردياً، بل هو تجلٍّ لما يسميه الباحثون “عنف البنية التحتية”، أي الأذى الذي تُلحقه الأنظمة والسياسات بالأفراد دون أن يكون ثمة جلاد بعينه.
انعدام الجنسية: الجرح الخفي الذي يُمرض
تُعرّف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين انعدام الجنسية بأنه حالة الشخص الذي لا تعتبره أي دولة مواطناً فيها بموجب قوانينها. وبالنسبة للصحراويين، فإن حالة اللجوء الممتدة وعدم الاعتراف الدولي الواسع بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية يضعهم في حالة من اللايقين السياسي وانعدام الجنسية الفعلي، وإن كانت الجزائر تمنحهم وثائق سفر خاصة تُتيح لهم التنقل بشروط مشابهة للمواطنين الجزائريين.
تؤكد الدراسة أن انعدام الجنسية ليس مجرد وضع قانوني بارد، بل هو محدد اجتماعي للصحة بامتياز، له تداعيات صحية خطيرة وملموسة. فالأشخاص عديمو الجنسية غالباً ما يُستبعدون من أنظمة الرعاية الصحية الوطنية، ويواجهون عقبات بيروقراطية وقيوداً على الحركة تمنعهم من الوصول إلى العلاج المتخصص خارج المخيمات. كما أن غياب الوثائق الرسمية أو ضعف الاعتراف بها يُعيق الحصول على التأمين الصحي أو الإحالة إلى المستشفيات المتخصصة في المدن الجزائرية الكبرى أو في الخارج.
ويُفاقم من هذا الوضع أن المنظومة الصحية داخل المخيمات تعمل في ظل شُح مزمن في الموارد؛ فالأطباء الصحراويون يجدون أنفسهم مضطرين إلى الارتجال والابتكار في مواجهة غياب المعدات التشخيصية المتقدمة ونقص الأدوية المتخصصة، فيما تؤدي قِلّة التعويض المادي إلى هجرة الكفاءات الطبية وإرهاق من يبقى منهم. وقد وثّق الأطباء الصحراويون أنفسهم هذا الواقع في دراسة سابقة نشرتها The Lancet في فبراير من العام ذاته تحت عنوان “الارتجال في سياقات عنف البنية التحتية: طبيب يمارس الطب في مخيمات اللاجئين الصحراويين”.
الطب الاجتماعي العالمي: نحو طب يرى الإنسان كاملاً
تأتي دراسة حالة إبراهيم ضمن سلسلة “حالات في الطب الاجتماعي العالمي” التي أطلقتها The Lancet في نوفمبر 2025 بهدف تزويد المتخصصين في الرعاية الصحية بأدوات تحليلية تُمكّنهم من فهم كيفية تأثير القوى الاجتماعية والهيكلية على الصحة والمرض وأنظمة الرعاية. يقف وراء هذه السلسلة البروفيسور مايكل مارموت من معهد الإنصاف الصحي في جامعة كولدج لندن، الذي يُلخّص الفكرة الجوهرية بسؤاله الشهير:
“لماذا نعالج الناس ونعيدهم إلى الظروف التي أمرضتهم؟”
تدعو الدراسة إلى تبني نهج “الكفاءة الهيكلية” في التعليم الطبي والممارسة السريرية، وهو نهج يُدرّب الأطباء على التعرف على كيفية تسبب العوامل الهيكلية كانعدام الجنسية والفقر والسياسات الاستعمارية في ظهور الأعراض السريرية. بمعنى آخر، يجب أن يرى الطبيب في تورمات رقبة إبراهيم وخموله ليس فقط مشكلة طبية تستدعي دواءً، بل أيضاً نتيجة لنزاع سياسي لم يُحل منذ خمسة عقود، ولسوء تغذية مزمن ناجم عن شُح التمويل الإنساني، ولعزلة جغرافية وقانونية تحول دون الوصول إلى الرعاية المتخصصة.
خاتمة: حين تصبح الجنسية حق حياة
تقدم هذه الدراسة التي أشرف عليها أطباء صحراويون ونشرتها أرفع المجلات الطبية العالمية تذكيراً قوياً بأن الطب لا يُمارَس في فراغ. إن حالة انعدام الجنسية واللجوء الممتد في مخيمات تندوف تفرض قيوداً هائلة على الحق في الصحة، وتجعل من التشخيص الطبي الدقيق والعلاج الفعّال أمراً عسيراً لا بسبب جهل الأطباء أو إهمالهم، بل بسبب بنى سياسية وقانونية وإنسانية ظالمة.
حل هذه الأزمات الصحية يتطلب ما هو أكثر من مجرد إمدادات طبية أو حملات تطعيم؛ إنه يتطلب إرادة سياسية لحل النزاعات المتجمدة، واعترافاً دولياً بحقوق هؤلاء الأفراد في الجنسية والانتماء، وتمويلاً مستداماً يضمن مقومات الحياة الكريمة. وحتى يتحقق ذلك، سيستمر الأطباء الصحراويون في بذل جهود استثنائية والارتجال لتقديم الرعاية لمرضاهم، مُسجِّلين شهاداتهم في أرفع المجلات العلمية، لعل العالم يسمع ما يقوله جسد إبراهيم.
تعليقات
إرسال تعليق