نشرت صحيفة El País الإسبانية المرموقة، في قسمها المخصص لقضايا المستقبل والتنمية “Planeta Futuro”، بتاريخ العاشر من أغسطس من عام ألفين وستة وعشرين، مقالاً علمياً بالغ الأهمية يتناول انعدام الجنسية لدى الشعب الصحراوي وتداعياته المباشرة على الصحة. يستند هذا المقال إلى دراسة أكاديمية رصينة نُشرت في مجلة The Lancet الطبية البريطانية العريقة، ضمن سلسلة شهرية تسلط الضوء على المحددات الاجتماعية المؤثرة في الصحة على المستوى العالمي.
الباحثون: شهادة على نجاعة المؤسسات التعليمية الصحراوية
لا يمكن قراءة هذه الدراسة بمعزل عن أصحابها، إذ تحمل توقيع ثلاثة باحثين يجمع بينهم الانتماء إلى هذا الملف من زوايا مختلفة. الدكتور سيث م. هولمز طبيب وأنثروبولوجي اجتماعي، ومدير مركز الطب الاجتماعي العالمي وباحث ICREA في جامعة برشلونة، ومؤسس مركز بيركلي للطب الاجتماعي في جامعة كاليفورنيا.
أما الوجهان الصحراويان اللذان يمثلان قلب هذه الدراسة، فهما والدكتورة رعبوب محمد لامين مهدي. الدكتور لعروسي محمد سالم طبيب متخصص في الطب النووي في مستشفى فيرخن دي أريكساكا الجامعي بمرسية، وأستاذ مشارك في جامعة مرسية، فضلاً عن كونه طبيباً متطوعاً في مخيمات اللاجئين الصحراويين بالجزائر. أما الدكتورة رعبوب محمد لامين مهدي فهي طبيبة متخصصة في الطب الداخلي، ورئيسة ومؤسسة مشاركة لجمعية “دكتورة بيتوها”، ومؤسسة مشاركة ومديرة مشاركة لمركز التطبيب عن بُعد في المستشفى الوطني الصحراوي بمخيمات اللاجئين الصحراويين في الجزائر.
وتحمل مسيرة هذين الطبيبين الصحراويين دلالة عميقة تتجاوز حدود السيرة الذاتية؛ فهما ثمرة حقيقية للمؤسسات التعليمية التي أسستها وتنظمها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في مخيمات اللاجئين. فعلى الرغم من الظروف القاسية التي تعيشها هذه المخيمات، أقامت الدولة الصحراوية منظومة تعليمية متكاملة، من المدارس الابتدائية وصولاً إلى مدارس التمريض والكليات الطبية، مما أتاح لأبناء اللاجئين مواصلة تعليمهم والوصول إلى أعلى المستويات الأكاديمية والمهنية في أوروبا وسائر أنحاء العالم. ويُعدّ هذا الإنجاز التعليمي في حد ذاته دليلاً دامغاً على صمود الدولة الصحراوية وقدرتها المؤسسية رغم خمسة عقود من النزوح القسري.
فقدان السيطرة على الأرض والموارد
تُعدّ ظاهرة انعدام الجنسية من القضايا التي تترك تداعيات عميقة ومباشرة على صحة الأفراد، وإن كانت غالباً ما تمر دون أن يُلقى لها بال. وفي حالة الشعب الصحراوي، تتجلى هذه التداعيات في أربعة أبعاد رئيسية تعيق بشكل خطير قدرتهم على التمتع بصحة كاملة ومستدامة.
تتمثل النتيجة الأولى لانعدام الجنسية في حرمان السكان من السيطرة على أراضيهم وإدارة مواردهم الخاصة. تزخر الصحراء الغربية بثروات طبيعية هائلة، بما في ذلك احتياطيات الفوسفات الحيوية للأنظمة الغذائية والزراعية العالمية، إلى جانب الموارد السمكية والطاقة المتجددة من رياح وطاقة شمسية. ومع ذلك، لا تعود عائدات هذه الموارد بالنفع على الشعب الصحراوي، بل تستفيد منها الحكومة المغربية التي تسيطر على المنطقة منذ أكثر من نصف قرن.
في غياب هذه الموارد، يُحرم الصحراويون من القدرة على الحفاظ على نظام غذائي وزراعي مستقل، وتوفير سكن آمن ومعزول حرارياً، وبناء أنظمة تعليمية واجتماعية قوية. بالنسبة للصحراويين الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين في تندوف بالجزائر، ترتفع معدلات سوء التغذية وفقر الدم بشكل مقلق. وتعيش العائلات في مساكن تفتقر إلى العزل المناسب مع وصول محدود للمياه، في بيئة صحراوية قاسية تتجاوز فيها درجات الحرارة صيفاً حدوداً لا تطاق.
أزمة تمويل النظام الصحي
تؤدي عدم السيطرة على الموارد الذاتية إلى عجز السكان عن دعم نظامهم الصحي بشكل كافٍ. تواجه حكومة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية صعوبات جمة في تمويل القطاع الصحي، وتدريب ودفع أجور الكوادر الطبية، وتوفير الإمدادات الطبية والصيدلانية الأساسية.
وقد أبرزت مجلة The Lancet في وقت سابق كيف يُضطر العاملون في القطاع الصحي الصحراوي إلى الارتجال والعمل التطوعي في ظل بنية تحتية متهالكة لتقديم الرعاية لمجتمعهم في ظروف بالغة الصعوبة. ويعتمد النظام الصحي الصحراوي بشكل شبه كلي على المساعدات الإنسانية الدولية، التي تشهد حالياً تراجعاً خطيراً يهدد بانهيار الخدمات الأساسية.
الأضرار الجسدية والنفسية للاحتلال العسكري
عندما يقترن انعدام الجنسية بالاحتلال والتوسع العسكري، فإنه لا يعيق فقط التنمية الاجتماعية وتمويل الرعاية الصحية، بل يتسبب في أضرار جسدية مباشرة ويهدد الأرواح. يخترق الصحراء الغربية أطول جدار احتلال في العالم، الذي شيدته المغرب، وهو محاط بملايين الألغام الأرضية التي تلحق الأذى بالعائلات ومواشيهم. علاوة على ذلك، تتعرض العائلات البدوية الصحراوية التي تعيش في المناطق التي تسيطر عليها جبهة البوليساريو لهجمات متزايدة بالطائرات المسيّرة، مما يؤدي إلى وفيات وإصابات ونزوح آلاف اللاجئين الإضافيين. وفي الأراضي المحتلة، يواجه الصحراويون تمييزاً وسوء معاملة عند سعيهم للحصول على الرعاية الطبية.
عقبات الإجلاء الطبي
يخلق انعدام الجنسية عقبات جسيمة عندما تكون هناك حاجة ماسة للإجلاء الطبي. فبدون جواز سفر معترف به دولياً، يصبح الحصول على تأشيرات للسفر الطارئ أمراً شبه مستحيل. وبالنسبة للصحراويين المصابين بأمراض خطيرة، قد لا تكون العيادات والمستشفى الوطني في مخيمات اللاجئين كافية لتقديم العلاج اللازم. ورغم أن الجزائر توفر إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية في مستشفيات تندوف والعاصمة، إلا أن المرضى يواجهون تحديات اقتصادية وبيروقراطية للوصول إليها. وإذا تطلب الأمر رعاية أكثر تخصصاً خارج البلاد، فإن التحديات تتضاعف وقد تعني الفارق بين الحياة والموت.
ويُضرب مثال على ذلك بقصة إبراهيم، وهو فتى يعيش في مخيمات اللاجئين وتم تشخيصه بالسرطان. للوصول إلى علاج منقذ للحياة في إسبانيا، يواجه إبراهيم ووالدته عقبات هائلة للحصول على تأشيرة طبية. وبفضل برنامج “عطلات في سلام”، تمكن إبراهيم من الحصول على دعم من عائلة إسبانية لتسهيل علاجه، لكن والدته مُنعت من مرافقته لرعايته بسبب رفض منحها التأشيرة.
تخفيض التمويل وتفاقم الأزمة
تزداد معاناة النظام الصحي الصحراوي بسبب التخفيضات الكبيرة في التمويل الدولي. فقد أُبلغت مدرسة التمريض في تيفاريتي بأن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ستوقف تمويلها بسبب اقتطاعات كبيرة في الميزانية، مما أدى إلى إلغاء دورات تدريبية وحملات تطعيم ووقاية صحية هامة بشكل مفاجئ. وقد رصد أحد الباحثين هذا الوضع خلال زيارته لمهرجان السينما FiSahara عام ألفين وستة وعشرين، حيث شهد عن كثب الأثر المباشر لهذه الاقتطاعات على المؤسسات التعليمية والصحية في المخيمات.
نحو حلول مستدامة
لمعالجة الآثار المدمرة لانعدام الجنسية، يجب على المجتمع الدولي دعم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير على أرضه، بما في ذلك إجراء الاستفتاء الذي وعدت به الأمم المتحدة. وعلى المدى القصير، يمكن لإسبانيا تقليل العقبات الإدارية التي تعيق عمليات الإجلاء الطبي، إذ يمكن أن يعني ذلك الفارق بين الحياة والموت للمرضى الصحراويين الحرجين.
وفي خطوة إيجابية، من المقرر أن يصوت البرلمان الإسباني في سبتمبر على قانون يعيد حق الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين قبل التاسع والعشرين من سبتمبر من عام ألف وتسعمائة وسبعة وسبعين، وهو التاريخ الذي انسحبت فيه إسبانيا من الصحراء الغربية دون إتمام مسار إنهاء الاستعمار. ورغم أن هذه الخطوة غير كافية لحل جذور المشكلة، إلا أنها قد تتيح لكثير من الصحراويين الوصول إلى الرعاية الصحية الإسبانية في الوقت الذي يواصلون فيه نضالهم من أجل حقهم القانوني في تقرير المصير ✍️ميجك ميديا
تعليقات
إرسال تعليق