التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف تُسوَّق رواية الازدهار في المغرب بينما يفرض الواقع أسئلته؟

 صناعة الصورة قبل معالجة الجرح

تقوم كثير من الخطابات الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية في المغرب على مفردات الاستقرار، والبنيات الكبرى، والانفتاح، وجاذبية الاستثمار. ولا شك أن أي بلد يحتاج إلى سردية تبرز إنجازاته وتمنح مواطنيه أفقاً للمستقبل. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول السردية إلى بديل عن مساءلة الواقع، أو عندما يُقدَّم كل نقد اجتماعي وحقوقي بوصفه استهدافاً للدولة لا حقاً مشروعاً للمجتمع.

السؤال الحقيقي ليس: هل توجد مشاريع وإنجازات؟ بل: هل يشعر المواطن العادي بأن ثمارها تصل إليه بإنصاف؟ وهل يستطيع من لا يشعر بذلك أن يعبر عن رأيه من دون أن يُختزل في تهمة التشويش أو العمالة أو الإساءة إلى صورة البلاد؟ إن نجاح أي نموذج تنموي لا يُقاس بما تقوله الشاشات وحدها، بل بقدرة الناس على العيش بكرامة، والاحتجاج بسلام، ومحاسبة المؤسسات، والوصول إلى إعلام لا يخشى طرح الأسئلة الصعبة.

التقدم الاقتصادي، مهما كان حجمه، لا يلغي ضرورة العدالة الاجتماعية. والاستقرار السياسي لا يغني عن حق النقد والتنظيم والمشاركة. وتعدد المنصات الإعلامية لا يعني بالضرورة تعدد الأصوات، إذا كان الصوت المخالف يواجه الوصم أو التضييق أو التخويف. أما المؤسسة التشريعية فلا تستمد قيمتها من شكلها أو خطاباتها، بل من قدرتها الفعلية على تمثيل الناس ومراقبة الحكومة ومساءلة أصحاب النفوذ.

الهجرة ليست خبراً عابراً

الهجرة غير النظامية لا تثبت، بمفردها، فشل أي دولة، لأنها ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وقانونية وبنشاط شبكات التهريب والمعلومات المضللة. لكن مشاهد سبتة الأخيرة لا يمكن التعامل معها كحادث عابر أو كحالة معزولة. فقد أعادت إلى الواجهة سؤالاً مؤلماً عن حجم اليأس الذي يجعل شباباً وفتيات وعائلات يخاطرون بحياتهم أملاً في الوصول إلى الضفة الأخرى.

لقد تحدثت تقارير صحفية عن دور حسابات في شبكات التواصل في نشر وعود مضللة عن طريق مفتوح إلى أوروبا، فاندفع كثيرون وراء حلم صُوِّر لهم كأنه قريب وسهل. غير أن السؤال الأعمق لا يخص فقط من روّج لتلك الإشاعات، بل يتصل بالبيئة التي تجعل هذه الرسائل قابلة للتصديق. لماذا يجد الوعد المضلل جمهوراً مستعداً للمخاطرة بحياته؟ ولماذا تبدو أوروبا، لدى اغلب الشباب، أفقاً أكثر إغراءً من البقاء؟


واقعة سبتة لا تمنح أحداً حق اختزال المجتمع المغربي في أزمة، ولا تبرهن بذاتها على وجود تدبير رسمي أو سياسي وراء العبور. لكنها تكشف هشاشة الأمل حين تتقاطع قلة الفرص مع الإشاعة الرقمية ومع خطاب يوحي بأن الازدهار صار حقيقة مكتملة. من يراهن بحياته في البحر لا يُسأل فقط عمّن حرّضه، بل يُسأل أيضاً عما فقده أو لم يجده في بلده.

حين يصبح الناشط مشكلة لا صوتاً

في المجال الحقوقي والصحفي، لا يكون الخلاف حول السياسات العامة علامة ضعف، بل علامة حيوية. لكن تقارير حقوقية دولية تثير مخاوف جدية بشأن حرية التعبير والعمل الصحفي والنشاط المدني في المغرب والصحراء الغربية. وتتناول تلك التقارير ادعاءات عن مضايقات وملاحقات ومراقبة رقمية وقيود على التنظيم والتجمع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأصوات تنتقد السلطة أو تدافع عن قضايا تقرير المصير والحقوق المدنية.


هذه ملاحظات تستحق جواباً علنياً ومقنعاً، لا الاكتفاء بتخوين من يطرحها. وفي الصحراء الغربية يتضاعف هذا المعنى، لأن النقاش حول الحقوق والسيادة وتقرير المصير شديد الحساسية. فحين تتحول ملفات الناشطين والحقوقيين الصحراويين إلى ساحات للوصم والتجريم أو الضغط الإداري والقانوني، فإن الأثر لا يقف عند الفرد المعني، بل يمتد إلى المجتمع الذي يتعلم بالتدريج أن الصمت أكثر أمناً من التعبير.


إن القضية لا تتعلق بمنح امتياز خاص للناشط أو الصحفي، بل بالاعتراف بأن حرية التعبير هي ضمانة للجميع. المجتمع الذي يخاف أفراده من السؤال لا يستطيع أن يصحح أخطاءه، والدولة التي تضيق بالنقد تضعف قدرتها على الاستماع إلى ما يجري خارج دوائرها المغلقة.

الصحافة بين وظيفة السؤال وقوة القلعة

لا يستطيع الإعلام أن يؤدي وظيفته إذا كان مطلوباً منه أن يردد رواية واحدة عن النجاح، أو أن يجعل من النقد استثناءً مشبوهاً. فالصحافة لا تُقاس بعدد القنوات والمنصات، بل بقدرة الصحفي على التحقيق، والوصول إلى المعلومة، ونشر ما يزعج السلطة والمصالح النافذة من دون أن يتحول ذلك إلى ثمن شخصي أو مهني باهظ.


عندما يُسجن الصحفي أو يُلاحق أو تُقيّد حركته بسبب عمله، لا يخسر صحفي واحد فقط؛ بل يخسر المجتمع نافذة يرى عبرها نفسه. وحين يصبح الرد على السؤال حملة تشهير أو تسريباً أو ضغطاً قضائياً، لا يعود الإعلام سلطة رقابة، بل يصير جزءاً من ديكور القوة. لذلك فإن الدفاع عن الصحافة المستقلة ليس خصومة مع المغرب أو مع استقراره، بل دفاع عن شرط أساسي كي لا تصبح صورة البلاد أهم من حياة الناس فيها.


المطلوب من الإعلام ألا يحول النقد إلى خيانة، وألا يجعل الاعتراف بالأزمة تهديداً للبلاد. فالإعلام الذي يحترم جمهوره لا يخفي الألم خلف الصور اللامعة، ولا يصنع وطناً مثالياً على الشاشة فيما يزداد الإحساس بالعجز في الشارع.

برلمان يُرى ولا يُحاسب؟

يتحدث منتقدون للمؤسسة التشريعية في المغرب (الزريبة )، أقرب إلى واجهة دستورية منه إلى سلطة رقابية مؤثرة من المشروع سياسياً وأخلاقياً أن يُسأل: أين تنتهي الامتيازات وتبدأ الخدمة العامة؟ وهل توجد شفافية كافية في تضارب المصالح وتمويل الحياة السياسية؟ وهل تستخدم آليات الرقابة لاستجواب الحكومة فعلاً أم لتثبيت توازنات قائمة؟


الديمقراطية لا تُقاس بفخامة المباني ولا بكثرة الجلسات المنقولة، بل بقدرة النائب على تمثيل الناس، وبقدرة المواطن على معرفة ما يجري باسمه، وبوجود مسارات واقعية للمحاسبة. وإذا شعر الناس أن البرلمان لا يلتقط وجعهم، فستزداد المسافة بين المؤسسات والمجتمع مهما كانت اللغة الرسمية عن الإصلاح بليغة.

الحقيقة لا تخاف من الأسئلة

ليست المشكلة في أن يقدم المغرب نفسه بلداً يطمح إلى التطور، فهذا طموح مشروع. المشكلة هي أن يتحول الطموح إلى ستار يمنع رؤية الهجرة المحفوفة بالموت، أو القيود التي تتحدث عنها تقارير حقوقية، أو هشاشة الثقة في مؤسسات التمثيل والمساءلة. واقعة سبتة، بتعقيداتها الإنسانية والرقمية والسياسية، ليست دليلاً وحيداً على كل شيء، لكنها جرس إنذار ضد أي خطاب يصر على أن الصورة أجمل من الواقع دائماً.


البلدان لا تُبنى بتصوير النقد على أنه عداوة، ولا بجعل الناشط والصحفي خصماً تلقائياً. تُبنى حين يستطيع المواطن أن يقول: هناك خلل، ويجد من يسمع، ومن يحقق، ومن يجيب بأدلة وإصلاحات لا بشعارات. عندها فقط يصبح الحديث عن الازدهار وعداً قابلاً للقياس، لا رواية محصّنة من المساءلة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...