في مطلع عام 1980، كانت جبال الوركزيز وممراتها الوعرة شاهدة على إحدى المحطات البارزة في حرب الصحراء الغربية. وتضع الذاكرة الصحراوية هذه المواجهة في مارس من ذلك العام، بوصفها ملحمة أظهر فيها الجيش الصحراوي قدرة كبيرة على المباغتة والمناورة واستغلال تضاريس المنطقة. أما المصادر الأكاديمية المتاحة علناً فتؤكد أن قوات البوليساريو هاجمت في أوائل عام 1980 القوات المغربية المتمركزة في وادي الوركزيز ومرتفعات تيغزرت، ضمن سلسلة عمليات سبقتها هجمات على طرفاية وبوجدور.
لم تكن أهمية الوركزيز مرتبطة بالموقع وحده. فالمنطقة، بما فيها من شعاب ومرتفعات ومسالك ضيقة، لا تمنح الأفضلية تلقائياً للقوة الأثقل سلاحاً، بل تكافئ الطرف الذي يعرف الأرض ويختار زمان الاشتباك ومكانه. في هذا النوع من القتال، تصبح الآليات الثقيلة أقل فاعلية إذا تحركت في ممرات مكشوفة أو منفصلة عن الإسناد والاستطلاع، بينما تصبح سرعة الحركة والمعرفة الدقيقة بالمسالك والمخارج عوامل حاسمة.
هذا هو المعنى الذي جعل الوركزيز تحتل مكانة مميزة في الذاكرة الوطنية الصحراوية. فقد أثبتت أن المقاتل الصحراوي لم يكن مجرد قوة دفاعية تنتظر الهجوم، بل كان قادراً على المبادأة ونقل المعركة إلى نقاط حساسة وإرباك خصم يملك عتاداً أكبر وإمكانات أوسع. لقد أظهرت تلك العمليات أن القوة النظامية، مهما بدت متفوقة، قد تصبح عرضة للخسارة عندما تُفرض عليها معركة في أرض لا تتحكم في تفاصيلها.
تداولت روايات عديدة وصفاً شديداً لما وقع في الوركزيز، بما في ذلك الحديث عن تطويق آليات عسكرية وإلحاق أضرار كبيرة بها. وتبقى هذه الروايات ذات حضور قوي في الشهادات الصحراوية وفي الكتابات التي تنتقد أداء المؤسسة العسكرية المغربية في تلك المرحلة. غير أن الأمانة التاريخية تقتضي التفريق بين دلالة الواقعة، وهي دلالة راسخة، وبين أرقام الخسائر أو التفاصيل الجزئية التي تحتاج دائماً إلى مصدر مباشر ومتقاطع قبل تقديمها بوصفها حقائق نهائية.
لكن الحذر في الأرقام لا يقلل من معنى المعركة. فالحدث الأوضح هو أن الوركزيز جاءت في ظرف كان الجيش المغربي فيه يواجه صعوبات حقيقية في حماية انتشار واسع ومواقع متباعدة وخطوط إمداد طويلة. وكانت حرب الحركة التي أتقنتها قوات البوليساريو قادرة على تحويل اتساع الصحراء من عبء على الطرف الأخف إلى عبء على الطرف الذي يتطلب وجوده نقاطاً ثابتة وإمدادات دائمة وتغطية جوية مستمرة.
لقد اعتمد الجيش الصحراوي على مبادئ بسيطة في ظاهرها، لكنها فعالة في الواقع: التحرك السريع، وتفادي المعارك التي لا تخدم الهدف، وضرب الخصم في النقطة الأضعف، ثم الانسحاب قبل أن يحشد قواته. ولم تكن هذه التكتيكات قائمة على الجرأة وحدها، بل على فهم عميق للأرض ولطبيعة الحرب الصحراوية. فمن يعرف مسارات الوديان ومواطن الماء وطرق الالتفاف يستطيع أن يختصر المسافة ويختار زاوية الهجوم، حتى عندما يكون خصمه أكبر عدداً وأفضل تسليحاً.
يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بعد كل حديث عن الوركزيز: لماذا لم يتحول هذا النجاح إلى حسم نهائي؟ والجواب لا يتعلق بنقص الشجاعة أو القتال، بل بالفرق بين الانتصار في معركة وبين كسب حرب طويلة ومعقدة. فالغارة الناجحة أو الهجوم المباغت قادران على إيقاع خسائر كبيرة وإرباك الخصم، لكن السيطرة الدائمة على الأرض تحتاج إلى وسائل إمداد وحماية واتصالات وقدرة على مواجهة الطيران والحفاظ على المواقع بعد احتلالها. وهذه شروط تتجاوز حدود أي معركة منفردة.
ثم إن المغرب لم يبقَ على أسلوب انتشاره القديم. فقد اتجهت القيادة العسكرية المغربية إلى إعادة تنظيم القوات وتركيزها في مناطق اعتبرتها ذات أولوية، وعملت على تحسين سرعة الاستجابة وتغيير أساليب الحركة. وبعد ذلك، برزت سياسة السواتر الدفاعية التي بدأت في أوائل الثمانينيات، لتتحول لاحقاً إلى منظومة طويلة من التحصينات والحقول الملغمة ونقاط المراقبة. لم ينه هذا التحول المقاومة الصحراوية، لكنه قيّد حرية الحركة التي كانت أحد أسرار نجاحها في المراحل الأولى من الحرب.
كما أن ساحة القتال لم تكن منفصلة عن موازين السياسة الإقليمية والدولية. فقد خاضت جبهة البوليساريو حرباً ذات أبعاد تتجاوز حدود الميدان، فيما امتلك المغرب موارد دولة ودعماً عسكرياً وخارجياً واسعاً. لذلك كان الانتقال من نصر ميداني إلى حسم شامل يتطلب أكثر من كفاءة قتالية: كان يحتاج إلى تغير كبير في ميزان الإسناد السياسي والعسكري، وإلى قدرة مستمرة على الاحتفاظ بالمبادرة عبر وقت طويل.
ومع ذلك، فإن الوركزيز لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها فرصة عابرة أو مجرد تفصيل في تاريخ الحرب. إنها صفحة تكشف قدرة الجيش الصحراوي على فرض شروط الاشتباك وإيلام خصمه في لحظة كان يُنظر فيها إلى التفوق العسكري المغربي بوصفه عاملاً حاسماً. لقد أثبتت المعركة أن التفوق في السلاح لا يساوي بالضرورة تفوقاً في الميدان، وأن الإرادة والمعرفة بالأرض وحسن اختيار اللحظة قادرة على قلب الحسابات.
لقد انتهت الحرب المفتوحة لاحقاً بوقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة سنة 1991، لكن النزاع السياسي لم يجد حلاً نهائياً. ولهذا تبقى معركة الوركزيز حاضرة في الذاكرة الصحراوية باعتبارها درساً في الصمود والمبادأة، ودليلاً على أن الجيش الصحراوي امتلك في مراحل من الحرب القدرة على كسر هيبة خصمه وإجباره على إعادة التفكير في أسلوبه العسكري.
تعليقات
إرسال تعليق