التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أكاديمية البالتولك: لا تحقرنَّ صغائر الأمور، فإنَّ الجبالَ من الحصى

​ قد تبدأ المبادرات الكبرى بخطوة صغيرة لا تلفت الانتباه، وقد يولد المشروع المؤثر من فكرة متواضعة لا يملك أصحابها سوى الإيمان بها والاستمرار في خدمتها. ومن بين التجارب التي تجسّد هذه الحقيقة تجربة الصحراويين مع برنامج بالتولك (Paltalk)، الذي لم يكن في ظاهره أكثر من وسيلة للتواصل الصوتي عبر الإنترنت، لكنه تحوّل، بفضل جهود مجموعة من المتطوعين، إلى منبر للتوعية ومدرسة للحوار وفضاء جمع أبناء الشعب الصحراوي الذين فرّقتهم الجغرافيا وظروف الاحتلال واللجوء والشتات.

من برنامج للدردشة إلى فضاء للتواصل

بدأت فكرة تطوير برنامج بالتولك سنة 1998، ثم أُطلقت نسخته الأولى في يناير/كانون الثاني 1999، متيحةً للمستخدمين إنشاء غرف للدردشة الصوتية والتواصل المباشر. ومع بداية الألفية الجديدة، ولا سيما خلال سنتي 2000 و2001، توسعت الغرف وأضيفت خدمات الفيديو والاشتراكات المدفوعة وبعض الخصائص الجديدة.


وفي الوقت الذي تعامل فيه كثيرون مع هذه التقنية باعتبارها وسيلة للترفيه والتعارف، أدرك آخرون مبكرًا قدرتها على تجاوز الحدود وكسر العزلة وإيصال الصوت إلى من يصعب الوصول إليهم بالوسائل التقليدية. وكان من بين السبّاقين إلى توظيفها في خدمة القضية الصحراوية الصحفي والمناضل والإعلامي النعمة زين الدين (Calle La Fuente)، من خلال غرفة بالتولك المعروفة باسم «كايا لفوينتي».


«كايا لفوينتي»(Calle La Fuentes )غرفة صغيرة برسالة كبيرة

لم تكن «كايا لفوينتي» مجرد غرفة دردشة تُفتح بين حين وآخر، بل كانت منبرًا مستمرًا وبرنامجًا يوميًا لشرح القضية الصحراوية ومناقشة مختلف جوانبها السياسية والإعلامية والاجتماعية. وقد اكتسبت أهميتها من انتظام عملها، ومن قدرتها على جمع أصوات وتجارب قادمة من المناطق المحتلة ومخيمات اللاجئين والجاليات الصحراوية في المهجر.


مثّلت الغرفة جسرًا بين أجزاء شعب شتّته الاحتلال المغربي وفرضت عليه الظروف أن يعيش موزعًا بين الوطن المحتل ومخيمات اللجوء ومناطق الشتات. وفي زمن لم تكن فيه شبكات التواصل الاجتماعي قد وصلت إلى صورتها الحالية، وفّرت هذه الغرفة مكانًا يستطيع فيه الصحراويون سماع بعضهم بعضًا، وتبادل الأخبار والآراء، وطرح الأسئلة، ومناقشة التطورات المتعلقة بقضيتهم الوطنية.


وكان لحضور أبناء المناطق المحتلة داخل هذا الفضاء أثر بالغ؛ إذ أتاحت لهم الغرفة نافذة للتواصل مع امتدادهم الشعبي في المخيمات والجاليات، وأسهمت، ولو بوسائل بسيطة، في مواجهة الآثار النفسية والاجتماعية لما يُعرف صحراويًا بـ «حزام الذل والعار». فالحدود العسكرية التي فصلت العائلات وقطّعت أوصال الأرض لم تستطع أن تمنع الكلمة من العبور، ولا الصوت من الوصول.


عمل تطوعي أسّس لبنية إعلامية وطنية

قاد الإعلامي النعمة زين الدين هذه التجربة بصورة تطوعية، مؤمنًا بأن الإعلام الوطني لا يُبنى فقط بالمؤسسات الكبرى والإمكانات الضخمة، بل يُبنى كذلك بالمبادرة والاستمرارية والالتزام. وشاركه في إدارة النقاش وإثراء البرنامج الدكتور محمد ميارة من المناطق المحتلة ، إلى جانب الأخ الجزائري المعروف باسمه المستعار «داني»، فضلًا عن مجموعة من المتدخلين والمستمعين الذين منحوا الغرفة حيويتها واستمرارها.


وكان من بين الحضور المتميزين الراحل محمد سالم بشرايا، المعروف  بالدكتور وهو رفيق النعمة زين الدين كذلك في بيناء البنية التحتية للإعلام الوطني وقد ساعدت مثل هذه المشاركات على تحويل الغرفة إلى ساحة حوار حقيقية تتعدد فيها الأصوات والتجارب، وتُناقش داخلها الأفكار بدل الاكتفاء بتلقيها بصورة جامدة.


لم يكن القائمون على الغرفة يمتلكون استوديوهات متطورة أو فرقًا تقنية محترفة، لكنهم امتلكوا ما هو أهم: وضوح الرسالة، والإيمان بالقضية، والاستعداد لبذل الوقت والجهد دون مقابل. ومن خلال هذا العمل اليومي، أسهموا في وضع لبنات مبكرة لبنية إعلامية وطنية اعتمدت على الاتصال الرقمي قبل أن يصبح الإعلام الرقمي عنصرًا أساسيًا في حياة الشعوب وحركات التحرر.


أكاديمية بلا جدران

ربما ظن بعض الناس آنذاك أن ما يجري داخل الغرفة لا يتجاوز أحاديث عابرة بين أشخاص تفصل بينهم آلاف الكيلومترات. غير أن مرور السنوات كشف أن تلك الجلسات كانت تؤدي وظيفة أعمق بكثير؛ فقد كانت مدرسة للتثقيف السياسي، ومنصة للتدريب الإعلامي غير المباشر، ومختبرًا لصناعة الأفكار وصقل القدرة على الحوار والتحليل.


كان المستمع يدخل الغرفة ليعرف خبرًا أو يتابع نقاشًا، ثم يخرج منها محمّلًا بأسئلة جديدة وملاحظات وأفكار تساعده على فهم قضيته بصورة أوسع. ومن هؤلاء الإعلامي والمحلل السياسي الطالب أعلي سالم، الذي أشار في تدوينة إلى أنه كان كثيرًا ما يستمع إلى أحاديث الغرفة ويدوّن ما يلتقطه منها من ملاحظات وأفكار. وهذه الشهادة ليست سوى نموذج واحد من نماذج عديدة لشباب تشكّل جانب من وعيهم الإعلامي والسياسي داخل ذلك الفضاء المتواضع.


لهذا استحقت التجربة أن تُوصف بأنها «أكاديمية البالتولك». لم تكن أكاديمية بمبنى أو مقاعد أو شهادات رسمية، وإنما كانت أكاديمية بالمعرفة التي نشرتها، وبالنقاشات التي احتضنتها، وبالأجيال التي تعلّمت فيها كيف تستمع وتسأل وتحلل وتدافع عن قضيتها بالحجة والكلمة.


أثر يتضح بعد عشرين عامًا

بعد مرور أكثر من عشرين سنة، أصبح من الممكن النظر إلى التجربة من زاوية مختلفة. فما بدا يومًا غرفة صوتية صغيرة اتضح أنه عمل كبير ساهم في توضيح جوانب كثيرة من القضية الصحراوية، وفي تكوين جيل من أبناء المناطق المحتلة ومخيمات اللاجئين والشتات. لقد تعلّم كثيرون داخل ذلك الفضاء أن الإعلام ليس مجرد نقل للخبر، بل هو مسؤولية وتوعية وبناء للوعي وحفظ للذاكرة الجماعية.


وتكمن القيمة الحقيقية لتجربة «كايا لفوينتي» في أنها أثبتت أن الإمكانات المحدودة لا تعني بالضرورة أثرًا محدودًا. فقد صنعت الإرادة من وسيلة بسيطة جسرًا وطنيًا، وحوّلت أصواتًا متفرقة إلى حوار متواصل، وجعلت من غرفة إلكترونية ذاكرةً مشتركةً ومدرسةً تخرّج منها جيل كامل بصورة أو بأخرى.


إن تاريخ الشعوب لا تصنعه الأحداث الكبرى وحدها، بل تسهم في صنعه كذلك المبادرات الصغيرة التي يخلص أصحابها في خدمتها ويواصلون العمل عليها بصبر. ومن هنا يأتي واجب الوفاء لكل من شارك في تلك التجربة، سواء أكان متحدثًا أم مستمعًا، منظمًا أم متابعًا، معروفًا باسمه أم حاضرًا خلف اسم مستعار.


رحم الله محمد سالم بشرايا، وجزاه عن عطائه خير الجزاء، وأطال الله في عمر الإعلامي النعمة زين الدين ا، وحفظ جميع من أسهموا في بناء ذلك المنبر الوطني. وستبقى «أكاديمية البالتولك» شاهدًا على أن الكلمة الصادقة، مهما بدت بسيطة، تستطيع أن تعبر الجدران والحدود، وأن تزرع الوعي، وأن تترك في التاريخ أثرًا أبقى من ضجيج كثير من المنابر الكبيرة.

✍️للمزيد من الأخبار والتحليلات، تابعوا مدونتنا وفعّلوا المتابعة. نرحّب بتعليقاتكم وآرائكم الهادفة؛ فصوتكم جزء من رسالتنا الإعلامية.

ميجك ميديا 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

أهم ما جاء في بيان هام صادر عن مؤسسة للمقاولة والاستثان SE

​  : أبرئ زملائي تماماً أمام الله وأمامكم، وأؤكد للجميع بكل صدق ووضوح بأنني المسؤول الوحيد والأوحد عن كل ما حدث وحدي، وليس لزملائي لا من بعيد ولا من قريب علاقة بالموضوع ، فكل ما يتعلق بالقرارات الإدارية والتسيير يعود لي وحدي ، استناداً إلى قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ​سابعاً: نؤكد للجميع وبكل وضوح تام، بأنه لا علاقة لي بالدولة ولا بمؤسساتها رسمياً أو فعلياً، لا من قريب ولا من بعيد، وانا فرد مثلي مثل أي فرد اخر نعمل بمعزل عن أي صفة رسمية للدولة، وكل امرئ محاسب عن فعله ومستقل بذمته استشهاداً بقوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...