في المرحلة الابتدائية درسنا قصة بسيطة في أحداثها، عميقة في معناها، تحذّر من عواقب التقليد الأعمى. تحكي القصة عن حمارين كان أحدهما يحمل أكياسًا من الملح، بينما كان الآخر يحمل أكياسًا من الإسفنج. وفي أثناء سيرهما في طريق طويل وشاق، مرّا ببركة من الماء. دخل الحمار الذي يحمل الملح إلى البركة، فذاب جزء كبير من حمولته، ثم خرج منها خفيفًا نشيطًا بعد أن تخلّص من معظم العبء الذي كان على ظهره.
راقب حمار الإسفنج ما حدث، وظن أن تكرار الفعل نفسه سيقوده إلى النتيجة ذاتها. دخل البركة من غير أن يسأل نفسه عن الفرق بين حمولته وحمولة رفيقه، فامتص الإسفنج الماء وأصبح أثقل وزنًا، وتحولت الحيلة التي أنقذت الحمار الأول إلى عبء مضاعف كاد يهلك الحمار الثاني. لم يكن الخطأ في دخول الماء في حد ذاته، وإنما في تقليد تجربة مختلفة من دون فهم أسباب نجاحها أو مراعاة اختلاف الظروف.
هذه القصة لا تتحدث عن الحيوانات بقدر ما تتحدث عن الإنسان حين يتنازل عن عقله، ويكتفي بتكرار ما يراه أو يسمعه. فما ينفع في بيئة قد يضر في بيئة أخرى، وما يحمل معنى إيجابيًا في مجتمع قد تكون له دلالة مختلفة تمامًا داخل مجتمع آخر. لذلك لا ينبغي أن ننقل الكلمات والشعارات والمواقف كما تُنقل البضائع، بل يجب أن نفهم أصلها وسياقها ومدى انسجامها مع ثقافتنا وواقعنا.
ومن الكلمات التي تستحق التوقف عندها كلمة «ارحل». لقد تحولت هذه الكلمة في بعض البيئات إلى شعار سياسي أو اجتماعي يُستخدم للتعبير عن الرفض والمطالبة بالتغيير. غير أن الألفاظ لا تعيش منفصلة عن تاريخ الناس وثقافتهم؛ فلكل مجتمع ذاكرته الخاصة، ولكل كلمة ظلالها النفسية والاجتماعية. وفي المجتمع الصحراوي، ترتبط كلمة الرحيل بصورة قوية بمغادرة المكان والأهل، كما تستحضر في الذاكرة الاجتماعية رحيل المرأة عن بيت أسرتها بعد الزواج وانتقالها إلى حياة جديدة.
لهذا السبب، فإن استعمال كلمة «ارحل» داخل الواقع الصحراوي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد نسخ لشعار شاع في مجتمعات أخرى. فالكلمة، مهما كانت أهداف قائلها أو مضمون الرسالة التي يريد إيصالها، قد تحمل إيحاءات لا تنسجم مع خصوصية المجتمع ولا مع الذوق الذي تشكّل عبر تاريخه وعاداته. وقد يفهمها بعض الناس بوصفها إهانة أو أمرًا بالطرد والإقصاء، بدل أن تكون تعبيرًا حضاريًا عن الاختلاف أو النقد أو المطالبة بالإصلاح.
لا يعني ذلك مصادرة حق الناس في التعبير، ولا رفض النقد أو الاعتراض؛ فالتعبير المسؤول حق، والنقد البنّاء ضرورة لأي مجتمع يريد التقدم. لكن الدفاع عن هذا الحق لا يعفينا من مسؤولية اختيار اللغة المناسبة. يستطيع الإنسان أن يرفض موقفًا، أو ينتقد أداءً، أو يطالب بالتغيير، من غير أن يستعير تعبيرًا غريبًا عن بيئته أو كلمة قد تصطدم بحساسية مجتمعه. قوة الموقف لا تُقاس بحدّة اللفظ، بل بوضوح الفكرة وعدالة المطلب وحكمة الأسلوب.
إن أخطر ما في التقليد الأعمى أنه يمنحنا شعورًا زائفًا بأننا نفعل الصواب لمجرد أن غيرنا فعله ونجح فيه. غير أن الشعارات، مثل حمولتي الملح والإسفنج، ليست متشابهة وإن بدت كذلك من بعيد. فقد تُخفف كلمة ما حمل أصحابها في مكان معين، لكنها قد تزيد الأعباء والانقسامات في مكان آخر. ومن هنا تبدأ الحاجة إلى وعي لغوي واجتماعي يزن الكلمات قبل إطلاقها، ويتنبّه إلى نتائجها قبل الانبهار بانتشارها.
المجتمع الصحراوي مجتمع له خصوصيته وقيمه ورموزه وطريقته في التعبير عن القبول والرفض. واحترام هذه الخصوصية لا يعني الانغلاق أو رفض الاستفادة من تجارب الآخرين، بل يعني أن نستفيد منها بعقل ناقد، فنأخذ ما يناسبنا ونترك ما يتعارض مع واقعنا. فالحكمة ليست في تكرار التجارب، وإنما في فهمها، وليست في استعارة الشعارات، وإنما في صناعة خطاب نابع من لغتنا وتجربتنا واحتياجاتنا.
إن كلمة «ارحل» قد تبدو قصيرة، لكنها ليست خالية من الحمولة الثقافية والاجتماعية. ولذلك ينبغي ألا تُستخدم لمجرد أنها اشتهرت أو حققت أثرًا في مكان آخر. المطلوب هو خطاب مسؤول يحفظ كرامة المخاطَب، ويعبّر عن موقف صاحبه بوضوح، ولا يحوّل الخلاف إلى طرد أو إقصاء. فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى كلمات تفتح أبواب الحوار، لا إلى عبارات قد تغلقها.
وفي النهاية، تظل قصة الحمارين درسًا صالحًا لكل زمان: لا تدخل البركة لمجرد أن غيرك دخلها وخرج خفيفًا؛ فقد يكون ما تحمله إسفنجًا لا ملحًا. علينا أن نفكر قبل أن نقلّد، وأن نقرأ واقعنا قبل أن نستورد ألفاظ غيرنا، وأن ندرك أن احترام خصوصية المجتمع لا يتعارض مع حرية التعبير، بل يجعل هذه الحرية أكثر وعيًا وتأثيرًا ومسؤولية.
للمزيد من الأخبار والتحليلات، تابعوا مدونتنا وفعّلوا المتابعة. نرحّب بتعليقاتكم وآرائكم الهادفة؛ فصوتكم جزء من رسالتنا الإعلامية.ميجك ميديا
تعليقات
إرسال تعليق