التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغرب وآلة الضغط في واشنطن: كيف ينفق الرباط الملايين على قضية الصحراء؟

 مقدمة

يُعدّ المغرب من أكثر الدول العربية والأفريقية نشاطاً في مجال الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة الأمريكية. فمنذ عقود، يُوظّف الرباط شبكة واسعة من شركات المحاماة والعلاقات العامة في واشنطن للتأثير على الكونغرس والبيت الأبيض ووسائل الإعلام، وذلك في إطار ما يُعرف بـ”قانون تسجيل الوكلاء الأجانب” (FARA)، الذي يُلزم كل من يعمل لصالح حكومة أجنبية بالإفصاح عن نشاطه ومدفوعاته. وقضية الصحراء الغربية تقع في صميم هذه الجهود.

أولاً: حجم الإنفاق السنوي

في عام 2025، بلغ إجمالي الإنفاق الحكومي المغربي المسجل رسمياً نحو 3.88 مليون دولار، وفق بيانات منظمة OpenSecrets المستقاة من وزارة العدل الأمريكية. 

في عام 2024، بلغ الإنفاق الحكومي المغربي حوالي 3.37 مليون دولار. 

في عام 2020، أنفق المغرب نحو 1.47 مليون دولار رغم تداعيات جائحة كوفيد-19، موزعة بين الحكومة المغربية مباشرة وجهات شبه حكومية. 

في عام 2019، ارتفع الإنفاق إلى نحو 1.61 مليون دولار. 

في عام 2018، قفز الإنفاق بشكل لافت إلى حوالي 3.3 مليون دولار، وهو من أعلى المستويات المسجلة في تلك الفترة.

في عام 2017، تراجع الإنفاق بشكل حاد إلى نحو 240,000 دولار فقط، وهو ما يعكس مرحلة انتقالية في استراتيجية الرباط بعد إنهاء تعاقده مع المركز الأمريكي المغربي للسياسة. 

في عام 2016، بلغ الإنفاق نحو 3.31 مليون دولار. 

في عام 2009، كشفت تقارير مؤسسة Sunlight Foundation أن المغرب أنفق نحو 3.4 مليون دولار في تلك السنة، متجاوزاً بذلك كل الدول العربية الأخرى بما فيها مصر بأكثر من الضعف.

منذ عام 2007 وحتى 2014، أنفق المغرب ما يزيد على 20 مليون دولار إجمالاً على شركات اللوبي الأمريكية في مختلف الملفات بما فيها الصحراء الغربية، وفق تحقيق صحفي استقصائي نشرته مجلة Foreign بوليسي

ثانياً

 أبرز شركات اللوبي المتعاقدة مع المغرب

المركز الأمريكي المغربي للسياسة (MACP)


كان الذراع الرئيسية للضغط المغربي لسنوات طويلة، وتلقّى وحده أكثر من 13.8 مليون دولار من الحكومة المغربية بين عامي 2007 و2013. 

اضطلع بمهمة التواصل المباشر مع الصحفيين وأعضاء الكونغرس ومسؤولي وزارة الخارجية.

كان يُقدّم الصحراء الغربية باعتبارها ورقة في مواجهة الإرهاب وتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة.

أُنهي التعاقد معه عام 2017 لإعادة هيكلة استراتيجية اللوبي المغربي.


مجموعة غابرييل (The Gabriel Company)


يديرها السفير الأمريكي السابق في المغرب إدوارد غابرييل، وهو شخصية محورية في شبكة العلاقات المغربية-الأمريكية.

منذ عام 2002، تلقّت الشركة أكثر من 3.7 مليون دولار من الحكومة المغربية

ربطت بين المسؤولين المغاربة والدوائر السياسية الأمريكية، وعملت على تحسين الصورة الإعلامية للمغرب.


JPC Strategies وشبكة المقاولين الباطنيين


في يناير 2018، وقّع المغرب عقداً بقيمة 75,000 دولار شهرياً مع هذه الشركة التي يديرها جيمس كريستوفرسون، المساعد السابق للسيناتور تيد كروز. 

بلغت أتعاب الشركة في عام 2018 وحده نحو 900,000 دولار. 

استعانت بمقاولين من الباطن، أبرزهم: شركة SGR Government Relations (180,000 دولار في 2018)، وشركة Iron Bridge Strategies (240,000 دولار في 2018)، وشركة Glover Park Group (200,000 دولار في 2018)، وشركة Neale Creek (20,000 دولار شهرياً). 

ThirdCircle


في يناير 2018، تعاقدت السفارة المغربية مع هذه الشركة مقابل 40,000 دولار شهرياً، أي ما يعادل 480,000 دولار سنوياً.

ركّزت على تقديم المشورة بشأن الفرص الاستثمارية وجذب صناعة السينما الأمريكية إلى المغرب.


Akin Gump Strauss Hauer & Feld


في نوفمبر 2021، وعقب مخاوف من تراجع إدارة بايدن عن الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، تعاقدت السفارة المغربية مع هذه الشركة القانونية العملاقة بعقد أولي بقيمة 120,000 دولار لمدة ثلاثة أشهر. 

ضمّت فريق العمل المغربي لديها السيناتورة السابقة إيليانا روس-ليتينن، وهي شخصية ذات ثقل كبير في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب.

في عام 2023، واصلت الشركة عملها للمغرب وشملت جهودها الضغط بشأن قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) وتنسيق زيارات وفود الكونغرس إلى المغرب. 


Brownstein Hyatt Farber Schreck


في ديسمبر 2021، انضمت هذه الشركة إلى شبكة اللوبي المغربي، وعملت جنباً إلى جنب مع Akin Gump وYorktown Solutions، بما يعني إجمالي 150,000 دولار شهرياً لهذه الشركات الثلاث مجتمعة. 

في مارس 2026، أبرمت الشركة عقداً جديداً مع المغرب بقيمة 65,000 دولار شهرياً (ما يعادل 780,000 دولار سنوياً)، يقوده النائب السابق إيد رويس الذي ترأّس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب لسنوات. 


Yorktown Solutions


تعاقدت معها السفارة المغربية في نوفمبر 2021 بعقد بقيمة 180,000 دولار لمدة ثلاثة أشهر.


ثالثاً

: المحاور الرئيسية لنشاط اللوبي المغربي

الصحراء الغربية أولاً: تُشكّل هذه القضية المحور الأساسي لمعظم نشاط اللوبي المغربي، إذ تحرص الرباط على تقديم مقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الواقعي الوحيد، ومنع أي تحرك أممي أو أمريكي نحو تنظيم استفتاء تقرير المصير.

ربط الصحراء بمكافحة الإرهاب: اعتمد اللوبي المغربي على تأطير القضية باعتبارها خطاً دفاعياً أمام تمدد الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل، مستشهداً بمخيمات اللاجئين الصحراويين في الجزائر باعتبارها بيئة حاضنة محتملة للتطرف.

مواجهة اللوبي الجزائري: تعمل الرباط على تحييد الجهود الجزائرية في واشنطن. وتكشف الأرقام الفجوة الهائلة بين الطرفين؛ فبين عامي 2007 و2013 أنفقت الجزائر نحو 2.4 مليون دولار فقط، أي ما يعادل 10% من الإنفاق المغربي في نفس الفترة. [4] أما جبهة البوليساريو فلم تُنفق سوى 42,433 دولار بين عامي 2009 و2014. 

الدعم العسكري والمالي: يضغط اللوبي لضمان استمرار المساعدات الأمريكية للمغرب وإدراج بنود لصالحه في قوانين الدفاع والميزانية السنوية.

تنظيم زيارات الكونغرس: تُعدّ رحلات أعضاء الكونغرس إلى المغرب أداة ضغط فعّالة؛ ففي 2019 وحدها زار المغرب أكثر من 15 عضواً في الكونغرس في رحلات متعددة ممولة من الجانب المغربي. 

رابعاً: أبرز المكاسب  الجزئية 

في ديسمبر 2020، أعلن الرئيس دونالد ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، في إطار اتفاقيات أبراهام التي تضمنت تطبيع المغرب لعلاقاته مع إسرائيل. وكان هذا الاعتراف ثمرةً مباشرة لسنوات من الضغط المتواصل.

في 2021-2022، نجح اللوبي المغربي في إقناع إدارة بايدن بعدم التراجع عن الاعتراف، إذ أكدت نائبة وزير الخارجية وندي شيرمان خلال زيارتها للمغرب أن واشنطن لا تزال ترى في مقترح الحكم الذاتي المغربي خطة “جدية وذات مصداقية وواقعية”.

في أبريل 2025، وقّع الرئيس ترامب في ولايته الثانية أمراً تنفيذياً يُعيد التأكيد على الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، ويجعل مقترح الحكم الذاتي الأساس الوحيد للمفاوضات.


تكشف هذه الأرقام أن المغرب يُدير واحدة من أكثر حملات الضغط السياسي تنظيماً وتمويلاً في واشنطن على مستوى الدول الأفريقية والعربية. ويُقدّر إجمالي ما أنفقه المغرب على شركات اللوبي الأمريكية منذ عام 2007 بأكثر من 40 مليون دولار، وهو استثمار أثبت فشله  في تحقيق اختراقات دبلوماسية كبرى تغير  من الوضعية القانونية للقضية الصحراوية كقضية تصفية استعمار .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...

السيادة وتوزيع السلطة: قراءة مقارنة في خيارات الحل السياسي للقضية الصحراوي

​ في سياق النقاش حول  نماذج الحكم في القضية الصحراوية ، يُستحضر عادةً أربع صيغ سياسية مختلفة: الحكم الذاتي، الفيدرالية، الكونفدرالية، والاستقلال التام. لفهم الفروق بدقة، من المفيد النظر إلى تعريف كل نموذج مدعَّمًا بأمثلة عالمية. أولًا : الحكم الذاتي (Autonomy) التعريف: منح إقليم داخل دولة موحَّدة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، مع بقاء السيادة والاعتراف الدولي بيد الدولة المركزية. خصائصه: • برلمان أو حكومة محلية. • اختصاصات في التعليم، الثقافة، الضرائب المحلية أحيانًا. • السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، العلاقات الدولية) بيد الدولة. نماذج عالمية: كاتالونيا  – إسبانيا إقليم يتمتع ببرلمان وحكومة خاصة، لكنه جزء من الدولة الإسبانية. إقليم  كردستان  – العراق له برلمان وحكومة وقوات أمن محلية، ضمن سيادة الدولة العراقية. الخلاصة: الحكم الذاتي = إدارة ذاتية واسعة داخل دولة واحدة. ثانيًا : الفيدرالية (Federalism) التعريف: دولة واحدة بسيادة دستورية مُقسَّمة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم/الولايات. خصائصه: • دستور يوزع الاختصاصات بوضوح. • تمثيل ...