التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجزائر وبناء السيادة النفطية في أبوظبي: قراءة تاريخية موثقة

​ النفط في أبوظبي قبل وصول الخبراء الجزائريين

تقتضي الدقة التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة: اكتشاف النفط، وإنشاء شركة أدنوك قانونيًا، وبناء قدراتها المؤسسية والتشغيلية. بدأ أول مسح جيولوجي في أبوظبي سنة 1935، ووُقّعت أول وثيقة امتياز سنة 1939. وجاء أول اكتشاف نفطي سنة 1958، ثم أُعلن في عام 1960 اكتشاف خام مربان تجاريًا، وغادرت أول شحنة نفط خام من جبل الظنة سنة 1963.

كانت الثروة النفطية، إذن، مكتشفة ومنتجة قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وقبل البعثة الجزائرية. غير أن الإنتاج كان يعتمد بدرجة كبيرة على شركات الامتياز الأجنبية وخبراتها ورؤوس أموالها. وقد أصبح التحدي السياسي والاقتصادي في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات هو الانتقال من امتلاك المورد في باطن الأرض إلى امتلاك القدرة الوطنية على إدارته والتفاوض بشأنه وتصنيعه وتسويقه.

في 27 نوفمبر 1971، أصدر حاكم أبوظبي قانون رقم 7 لسنة 1971 بإنشاء شركة بترول أبوظبي الوطنية، المعروفة باسم «أدنوك». وقد منح القانون الشركة شخصية قانونية وأهدافًا تمتد عبر سلسلة صناعة النفط والغاز. لذلك كان المؤسس القانوني والسياسي للشركة هو حكومة أبوظبي بقيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لا أي دولة أو بعثة أجنبية.

لماذا اتجهت أبوظبي إلى الخبرة الجزائرية؟

عندما تأسست أدنوك، كانت الجزائر قد قطعت شوطًا متقدمًا في بناء شركة نفط وطنية. فقد أُنشئت «سوناطراك» في 31 ديسمبر 1963، ثم توسعت من مؤسسة محدودة الوظيفة إلى شركة متكاملة تعمل في الاستكشاف والإنتاج والنقل والتكرير والتسويق. وفي فبراير 1971 رفعت الدولة الجزائرية مشاركتها في المصالح النفطية الفرنسية إلى 51 في المئة، وتولى مديرون جزائريون إدارة الأصول، ما منح كوادر سوناطراك خبرة مباشرة في التفاوض مع الشركات الكبرى وفي إحلال الإدارة الوطنية محل السيطرة الأجنبية.

كانت هذه التجربة ملائمة لحاجة أبوظبي. فالجزائر دولة عربية حديثة الاستقلال نجحت في إنشاء شركة وطنية وفي اكتساب خبرة تفاوضية وتقنية خلال فترة قصيرة. كما أن سياسة الرئيس هواري بومدين آنذاك شجعت التعاون بين الدول العربية والدول النامية وتقاسم الخبرات التي تساعدها على إحكام السيادة على مواردها الطبيعية.

وبحسب رواية الخبير النفطي الجزائري حسين مالطي، طلب الشيخ زايد مساعدة الجزائر عندما توقف الرئيس بومدين في أبوظبي، في مارس 1974، أثناء عودته من زيارة رسمية إلى فيتنام. كانت أبوظبي تحتاج إلى موارد بشرية تساعدها على تسلم حصة المشاركة التي أقرها اتفاق نيويورك مع دول الخليج سنة 1972. استجابت سوناطراك بإيفاد بعثة بدأت بنحو عشرين إطارًا من تخصصات نفطية مختلفة، وامتدت مهمتها من سبتمبر 1974 إلى يونيو 1987.

وتؤكد سفارة الجزائر في أبوظبي، في نص رسمي، أن الجزائر أرسلت فريقًا من المهندسين والخبراء بقيادة محمود حمرا كروها، وأن الفريق «أسهم في تأسيس» أدنوك وفي التطوير المبكر لصناعة النفط الإماراتية. والصياغة الأدق هنا هي «أسهم في التأسيس المؤسسي والتشغيلي»، لأن الشركة كانت قد أُنشئت قانونيًا سنة 1971، بينما تشير المصادر المعاصرة الأقوى إلى أن حمرا كروها تولى منصبه في عام 1974.

محمود حمرا كروها وبعثة سوناطراك

كان محمود حمرا كروها اقتصاديًا جزائريًا حاصلًا على الدكتوراه من جامعة السوربون، وعمل مديرًا للتخطيط في سوناطراك قبل إعارته إلى أبوظبي. ويصفه تقرير أميركي معاصر صدر في 1 نوفمبر 1974 بأنه المدير العام الجديد لأدنوك، وأنه جزائري معار من سوناطراك، وكان يبلغ نحو 36 عامًا. وأضاف التقرير أنه يعتزم تدعيم أدنوك بموظفين ذوي مهارات عالية، ولا سيما من الجزائريين، وإعادة تنظيمها على نحو يستفيد من تجربة سوناطراك.

هذه الوثيقة مهمة لأنها كُتبت في زمن الحدث، ولأنها تصحح رواية شائعة تجعل بداية المهمة سنة 1969 أو تنسب إلى حمرا كروها إنشاء الشركة من الصفر. وتلتقي مع رواية مالطي في أن مرحلة الدعم التنفيذي الجزائري بدأت في 1974، أي بعد إنشاء أدنوك بثلاث سنوات.

لم يكن حمرا كروها يعمل منفردًا. فقد استقدم أو رافقته مجموعة من كوادر سوناطراك في مجالات الإدارة والتخطيط والاستكشاف والإنتاج والتسويق. ونقلت برقية دبلوماسية أميركية سنة 1979 عن مقال صحفي عربي أن الفريق الجزائري اتسع خلال سنوات قليلة إلى نحو ثلاثين شخصًا شغلوا مواقع مؤثرة في الشركة. كما وصفت البرقية حمرا كروها بأنه شخصية قوية في صناعة النفط بأبوظبي، لكنها تظل مصدرًا ينقل رواية صحفية، ولذلك ينبغي التعامل مع تفاصيلها العددية والسياسية بحذر.

ما طبيعة الإسهام الجزائري؟

يمكن تلخيص قيمة الدعم الجزائري في نقل الخبرة المؤسسية، لا في اكتشاف النفط أو تمويل الحقول. فقد ساعدت كوادر سوناطراك على بناء جهاز إداري وطني قادر على متابعة العمليات، وإعداد الدراسات، وتسويق حصة الحكومة، والتعامل مع الشركات الأجنبية من موقع الشريك وصاحب القرار. ويظهر تقرير رسمي لأدنوك عن سنة 1977 أن محمود حمرا كروها كان المدير العام، بينما كان الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان رئيس مجلس الإدارة، وهو ما يوضح توزيع الأدوار بين القيادة والسيادة الإماراتية من جهة، والإدارة التنفيذية ذات الخبرة الجزائرية من جهة أخرى.


ظهر الإسهام الجزائري أولًا في التنظيم المؤسسي، من خلال المساعدة على بناء الجهاز الإداري واستقدام خبرات متخصصة والاستفادة من نموذج سوناطراك. وساعد ذلك على انتقال أدنوك من كيان قانوني حديث إلى مؤسسة تشغيلية أكثر قدرة.


وشمل الدعم أيضًا التفاوض والشراكات، إذ شاركت الخبرات الجزائرية في التعامل مع اتفاقات المشاركة وعلاقات أدنوك بشركات الامتياز الدولية. وقد عزز ذلك قدرة أبوظبي على الدفاع عن حصتها النفطية والتأثير في شروط استغلال مواردها.


وفي مجال الإدارة التشغيلية، تولى حمرا كروها الإدارة العامة، وعملت إلى جانبه كوادر عربية كان للجزائريين حضور بارز بينها. وأسهم هذا في تقليل الاعتماد الكامل على إدارات الشركات الغربية وفي ترسيخ وظيفة الشركة الوطنية.


أما التدريب والتوطين فكانا من أبرز معالم المرحلة. فقد تزامن عمل البعثة الجزائرية مع بدء برامج منظمة لتدريب موظفي أدنوك وإعطاء الأولوية للمواطنين الإماراتيين، بما أتاح إعداد نواة بشرية وطنية لتولي المسؤوليات تدريجيًا.


وامتد الأثر إلى القرار النفطي نفسه، حيث أصبحت إدارة أدنوك أكثر حضورًا في قضايا الإنتاج والتسويق والأسعار، وانتقلت الشركة تدريجيًا من دور تمثيلي محدود إلى دور فاعل في إدارة السياسة النفطية لأبوظبي.


ويقدم تقرير أدنوك لعام 1977 دليلًا ملموسًا على بناء القدرات. فقد بلغ عدد موظفي الشركة 473 موظفًا في نهاية ذلك العام، بزيادة 32 في المئة عن 1976. كما ارتفع عدد المهندسين والجيولوجيين والفنيين بنسبة 62 في المئة. وذكر التقرير أن برامج التدريب بدأت سنة 1974، وأن 287 موظفًا تلقوا تدريبًا داخل أبوظبي وخارجها حتى نهاية 1977، منهم 182 مواطنًا إماراتيًا، أي نحو 64 في المئة من المتدربين. لا يثبت التقرير أن الفريق الجزائري نفذ كل هذه البرامج وحده، لكنه يبين أن مرحلة الإدارة الجزائرية تزامنت مع جهد منظم لبناء الكفاءات المحلية.


وتكشف مراسلات بريطانية مؤرخة في 1978 أن حمرا كروها كان مؤثرًا في قرارات الإنتاج وفي علاقة أدنوك بالشركات صاحبة الامتياز، وأن الشركة باتت تصر على التعامل مع الشركات الكبرى بوصفها طرفًا ناضجًا ومستقلًا. كما توضح برقية 1979 أن المجموعة المعارة من سوناطراك أصبحت عنصرًا مهمًا في إدارة العمليات النفطية والغازية. وبذلك كان جوهر الإسهام الجزائري هو مساعدة أبوظبي على الانتقال من تلقي عائدات الامتياز إلى امتلاك مؤسسة وطنية تراقب وتخطط وتتفاوض وتشارك في التشغيل.

إن أفضل توصيف للدعم الجزائري هو أنه كان دعمًا لبناء السيادة المؤسسية على النفط. لم تمنح الجزائر أبوظبي ثروتها الطبيعية، ولم تكن صاحبة القرار القانوني بإنشاء أدنوك. لكنها نقلت خبرة حديثة ومهمة من سوناطراك إلى شركة وليدة، وقدمت مديرًا عامًا وفريقًا من الكوادر ساعدوا على التنظيم والتدريب والتفاوض والتوسع التشغيلي خلال مرحلة حاسمة.


وعليه، يمكن صياغة الحقيقة التاريخية في جملة واحدة: اكتشفت أبوظبي نفطها وطورت حقوله قبل البعثة الجزائرية، لكنها استفادت من الخبرة الجزائرية في تحويل أدنوك إلى أداة وطنية أكثر قدرة على إدارة هذه الثروة. وهذا الدور يمثل صفحة بارزة من تاريخ التعاون العربي في سبعينيات القرن العشرين، ويستحق التوثيق بعيدًا عن الإنكار .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

أهم ما جاء في بيان هام صادر عن مؤسسة للمقاولة والاستثان SE

​  : أبرئ زملائي تماماً أمام الله وأمامكم، وأؤكد للجميع بكل صدق ووضوح بأنني المسؤول الوحيد والأوحد عن كل ما حدث وحدي، وليس لزملائي لا من بعيد ولا من قريب علاقة بالموضوع ، فكل ما يتعلق بالقرارات الإدارية والتسيير يعود لي وحدي ، استناداً إلى قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ​سابعاً: نؤكد للجميع وبكل وضوح تام، بأنه لا علاقة لي بالدولة ولا بمؤسساتها رسمياً أو فعلياً، لا من قريب ولا من بعيد، وانا فرد مثلي مثل أي فرد اخر نعمل بمعزل عن أي صفة رسمية للدولة، وكل امرئ محاسب عن فعله ومستقل بذمته استشهاداً بقوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...