التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل صنعت جبهة البوليساريو الطالب أعلي سالم، وتسلم سيدي التهليل، والعروسي محمد سالم ؟

​ لم تصنع  الدولة الصحراوية الطالب اعلي سالم، ولم تصنع تسلم سيدي التهليل، البرلمانية الصحراوية في البرلمان الإسباني، ولن تصنع الدكتور في الطب النووي لعروسي محمد سالم.


هؤلاء صنعوا نجاحاتهم بأنفسهم؛ بالمثابرة والعمل والاجتهاد، وبسنوات طويلة من الدراسة والتكوين والتضحيات. فالنجاح العلمي والمهني والسياسي لا يُمنح بقرار، ولا يمكن لأي تنظيم أو مؤسسة أن تدّعي ملكيته نيابة عن صاحبه. إن كل واحد منهم خاض مساره الخاص، وواجه تحدياته، وبذل جهدًا متواصلًا حتى بلغ المكانة التي وصل إليها.


لكن هذه ليست كل الحكاية.


هناك فرق كبير بين أن نقول إن مؤسسة ما «صنعت» إنسانًا ناجحًا، وبين أن نقول إنها ساهمت في إيجاد البيئة التي نشأ فيها وتعلّم وتكوّن داخلها. فالإنسان هو الذي يصنع مستقبله بقراراته وإرادته، غير أن الطريق الذي يسلكه لا يكون منفصلًا تمامًا عن محيطه الاجتماعي والتعليمي والسياسي.


ومن هذا المنظور، فإن السؤال الأهم ليس: هل صنعت الدولة الصحراوية هؤلاء الأشخاص؟ بل: ما دور جبهة البوليساريو ومؤسسات الدولة الصحراوية، في توفير البيئة التي خرجت منها أجيال من الصحراويين المتعلمين والطموحين؟


الطالب اعلي سالم لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بجهده وإصراره، وبقدرته على الاستمرار رغم الصعوبات. وتسلم لم تحقق حضورها السياسي إلا بما راكمته من تجربة وعمل وقدرة على شق طريقها في مجال يحتاج إلى الكفاءة والثقة بالنفس والحضور المستمر. أما الدكتور لعروسي محمد سالم، فلم يبلغ تخصصًا دقيقًا كالطب النووي إلا بعد مسار طويل من الدراسة والتكوين والبحث والاجتهاد، وهو مسار لا يمكن اختصاره في دور مؤسسة واحدة أو جهة واحدة.


إنها إنجازات شخصية، وأصحابها هم أول من يستحق التقدير عليها. ومن غير المنصف أن تُنسب جهودهم كاملة إلى أي تنظيم أو مؤسسة، لأن ذلك يقلل من قيمة ما بذلوه من وقت وتعب وتضحيات، كما يتجاهل القرارات الفردية التي اتخذوها في مراحل مختلفة من حياتهم.


وفي الوقت نفسه، فإن الإنسان لا ينشأ في فراغ. وراء كل جيل ناجح مدارس ومعلمون وأسر ومجتمع ومؤسسات وفرص تعليم وتكوين، ووراءه كذلك ثقافة تشجع أبناءها على التعلم وعلى تجاوز الظروف الصعبة. وقد يحتاج الطالب إلى من يفتح أمامه باب التعليم، وإلى أسرة تسانده، وإلى مجتمع يقدّر المعرفة، وإلى مؤسسات توفر الحد الأدنى من الإمكانات التي تساعده على مواصلة الطريق.


ولهذا فإن القيمة الحقيقية لأي مشروع سياسي أو اجتماعي لا تكمن في الادعاء بأنه «يصنع» الناجحين، وإنما في قدرته على بناء بيئة يستطيع داخلها الإنسان أن يصنع نفسه. فالمؤسسة الناجحة ليست التي تنسب إليها إنجازات الأفراد، بل التي تتيح لهم فرصًا عادلة، وتوفر لهم التعليم والتكوين، وتشجعهم على الإبداع، وتساعدهم على تحويل طموحاتهم إلى واقع.


وعندما يبرز صحراوي في الجامعة أو الطب أو البحث العلمي أو السياسة أو الثقافة، فإن نجاحه يبقى نجاحًا شخصيًا بالدرجة الأولى، لكنه يطرح أيضًا سؤالًا أوسع عن البيئة التي نشأ فيها، وعن المؤسسات والأشخاص الذين ساهموا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في مسيرته. فكل إنجاز فردي يمكن أن يكون في الوقت نفسه دليلًا على قوة صاحبه، وعلى وجود محيط ساعده بدرجات متفاوتة على تطوير قدراته.


وهنا ينبغي ألا نختزل تلك البيئة في تنظيم سياسي وحده؛ فهي حصيلة الأسرة الصحراوية، والمعلمين والمربين، ومؤسسات التعليم والتكوين، والتضامن المجتمعي، إضافة إلى الخيارات والسياسات التي اتُّبعت عبر العقود. كما أن نجاح أي فرد قد يكون نتيجة تفاعل عوامل كثيرة: الموهبة، والاجتهاد، والدعم الأسري، والفرص المتاحة، والظروف الاجتماعية، والقدرة على الاستفادة من الإمكانات الموجودة.


لذلك، لا حاجة إلى سلب الفرد فضل اجتهاده حتى نعترف بدور بيئته، ولا حاجة إلى إنكار دور البيئة حتى نحتفي بالإنجاز الفردي. فالاعتراف بدور المؤسسات لا يعني إلغاء دور الإنسان، والاحتفاء بجهد الإنسان لا يعني تجاهل المجتمع الذي احتضنه ووفّر له بعض شروط النجاح.


هؤلاء لم تصنعهم جبهة البوليساريو؛ هؤلاء صنعوا أنفسهم.


لكن من يرى أن مؤسسات الدولة الصحراوية ساهمت في بناء البيئة التي أتاحت نشوء أجيال صحراوية متعلمة وطموحة، يستطيع أن يدافع عن ذلك بما قدمته تلك المؤسسات من تعليم وتكوين وفرص، من دون أن ينسب إليها الإنجازات الشخصية لأفرادها. فالمؤسسات يمكن أن تهيئ الطريق، لكنها لا تستطيع أن تسير بدل الإنسان، ولا أن تدرس مكانه، ولا أن تتحمل عنه مشقة البحث والعمل والصبر.


كما أن ظهور نماذج ناجحة لا ينبغي أن يكون مناسبة للمبالغة أو للدعاية، بل فرصة للتأمل في ما تحقق وما لم يتحقق. فإذا كانت هناك أجيال استطاعت الوصول إلى مواقع علمية ومهنية وسياسية متقدمة، فمن المهم أيضًا التفكير في كيفية توسيع هذه الفرص لتشمل عددًا أكبر من الشباب، وتوفير ظروف أفضل للتعليم والتكوين، وتشجيع الكفاءات على خدمة مجتمعها والمساهمة في مستقبله.


فالإنجاز للأشخاص، أما الحكم على نجاح المؤسسات فيُقاس بما تتيحه للناس من فرص كي يتعلموا، ويتطوروا، ويصنعوا مستقبلهم بأنفسهم. وبين الفرد وبيئته علاقة تكامل لا علاقة إلغاء؛ فالفرد المجتهد يحتاج إلى بيئة داعمة، والبيئة الناجحة تحتاج إلى أفراد قادرين على استثمار الفرص وتحويلها إلى إنجازات حقيقية.


ومن هنا، فإن أفضل تكريم للطالب اعلي سالم، وتسلم، والدكتور لعروسي محمد سالم، ليس أن ننسب نجاحهم إلى جهة معينة، بل أن نعترف بجهودهم، ونستفيد من تجاربهم، ونجعل من قصصهم مصدر إلهام للأجيال الصحراوية الصاعدة.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

أهم ما جاء في بيان هام صادر عن مؤسسة للمقاولة والاستثان SE

​  : أبرئ زملائي تماماً أمام الله وأمامكم، وأؤكد للجميع بكل صدق ووضوح بأنني المسؤول الوحيد والأوحد عن كل ما حدث وحدي، وليس لزملائي لا من بعيد ولا من قريب علاقة بالموضوع ، فكل ما يتعلق بالقرارات الإدارية والتسيير يعود لي وحدي ، استناداً إلى قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ​سابعاً: نؤكد للجميع وبكل وضوح تام، بأنه لا علاقة لي بالدولة ولا بمؤسساتها رسمياً أو فعلياً، لا من قريب ولا من بعيد، وانا فرد مثلي مثل أي فرد اخر نعمل بمعزل عن أي صفة رسمية للدولة، وكل امرئ محاسب عن فعله ومستقل بذمته استشهاداً بقوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...