التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاستثمارات الأمريكية في الجزائر والمغرب: مقارنة في الحجم والقطاعات والأهمية الاقتصادية

​ ُعد الولايات المتحدة شريكًا اقتصاديًا مهمًا لكل من الجزائر والمغرب، إلا أن طبيعة حضورها الاقتصادي تختلف بصورة واضحة بين البلدين. ففي الجزائر يتركز الثقل الأمريكي بدرجة كبيرة في قطاع الطاقة، بينما يتميز الحضور الأمريكي في المغرب بتنوع أكبر وبارتباط أقوى بالتجارة والصناعة والخدمات. لذلك، فإن الإجابة عن سؤال: «أين تستثمر الولايات المتحدة أكثر؟» تحتاج إلى التمييز بين حجم رصيد الاستثمار المباشر من جهة، واتساع العلاقات الاقتصادية والتجارية من جهة أخرى.

الجزائر: استثمارات كبيرة تقودها الطاقة

تشير بيانات وزارة الخارجية الأمريكية إلى أهمية الولايات المتحدة كمصدر للاستثمار الأجنبي في الجزائر. ففي تقرير مناخ الاستثمار لعام 2023، بلغت قيمة رصيد الاستثمار الأمريكي المباشر في الجزائر وفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي (BEA) نحو 2.17 مليار دولار في عام 2021.

وتظهر البيانات الجزائرية الواردة في التقرير نفسه صورة أكبر بكثير، إذ قدرت الاستثمارات القادمة من الولايات المتحدة بنحو 6.56 مليارات دولار، أو حوالي 29% من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي الداخل إلى الجزائر. ويعكس الاختلاف بين الرقمين اختلاف مصادر البيانات ومنهجيات احتساب الاستثمار، ولهذا لا ينبغي الجمع بينهما أو مقارنتهما مباشرة بأرقام تستخدم منهجية مختلفة.

ويتركز جزء مهم من النشاط الاقتصادي الأمريكي في الجزائر في النفط والغاز والطاقة، وهو أمر يرتبط بمكانة الجزائر كأحد كبار منتجي ومصدري المحروقات في إفريقيا وحوض المتوسط. وهذا يجعل العلاقة الاستثمارية ذات طابع استراتيجي، ولكنها في الوقت نفسه أكثر تركيزًا قطاعيًا.

المغرب: استثمار أقل حجمًا ولكن اقتصاد أكثر تنوعًا

في المغرب تبدو الصورة مختلفة. فقد أظهر تقرير مناخ الاستثمار الأمريكي لعام 2024 أن رصيد الاستثمار الأمريكي المباشر في المغرب، وفق بيانات BEA، بلغ نحو 379 مليون دولار في 2022.

غير أن قراءة العلاقات الاقتصادية الأمريكية المغربية من خلال الاستثمار المباشر وحده قد تكون مضللة. فالمغرب طور خلال السنوات الماضية قاعدة صناعية موجهة للتصدير تشمل صناعة السيارات والطيران والطاقة المتجددة والمنسوجات والصناعات الدوائية والخدمات والأعمال الزراعية.

كما يتمتع المغرب بميزة مؤسساتية مهمة في علاقته الاقتصادية مع واشنطن، إذ دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمغرب حيز التنفيذ عام 2006. ويشير مكتب الممثل التجاري الأمريكي إلى أن الاتفاقية ألغت أو خفضت حواجز تجارية عديدة، وأن تجارة السلع بين البلدين توسعت بصورة كبيرة منذ دخولها حيز التنفيذ.

التجارة تكشف جانبًا آخر من المقارنة

إذا انتقلنا من الاستثمار المباشر إلى إجمالي العلاقات التجارية، تنقلب الصورة لصالح المغرب من حيث الحجم.

وفق أحدث بيانات مكتب الممثل التجاري الأمريكي، بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات بين الولايات المتحدة والمغرب نحو 9.6 مليارات دولار في 2025. وبلغت الصادرات الأمريكية من السلع إلى المغرب وحدها نحو 5.5 مليارات دولار، مقابل واردات أمريكية من المغرب بحوالي 1.9 مليار دولار.

أما تجارة السلع والخدمات بين الولايات المتحدة والجزائر فبلغت نحو 3.9 مليارات دولار في 2025. وبلغت الصادرات الأمريكية من السلع إلى الجزائر نحو 1.3 مليار دولار، بينما بلغت الواردات الأمريكية منها نحو 2.2 مليار دولار.

وهكذا كان حجم التجارة الأمريكية المغربية في 2025 أكثر من ضعف حجم التجارة الأمريكية الجزائرية.

نموذجان مختلفان للحضور الاقتصادي الأمريكي

تكشف المقارنة في الواقع عن نموذجين مختلفين وليس عن منافسة بسيطة يمكن اختزالها في رقم واحد.

في الجزائر، يتميز الحضور الأمريكي بثقل استثماري مهم، خصوصًا في مجال المحروقات. وبالتالي ترتبط جاذبية الجزائر بالنسبة للشركات الأمريكية بدرجة كبيرة بحجم مواردها الطبيعية وسوق الطاقة.

أما المغرب، فيقدم نموذجًا أكثر تنوعًا يقوم على التجارة والصناعة والخدمات والاندماج في سلاسل الإنتاج الدولية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، وبنيته التحتية الصناعية واللوجستية، واتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة.

ولهذا يمكن أن يكون رصيد الاستثمار الأمريكي المباشر أكبر في الجزائر في بعض البيانات والسنوات، في حين تكون العلاقات التجارية الأمريكية أوسع بكثير مع المغرب.

الخلاصة

لا تكفي عبارة «الولايات المتحدة تستثمر أكثر في الجزائر أو المغرب» وحدها لوصف العلاقة الاقتصادية.

من حيث رصيد الاستثمار المباشر وفق البيانات التاريخية المتاحة والقابلة للمقارنة، يظهر ثقل أمريكي أكبر في الجزائر، مدفوعًا بدرجة كبيرة بقطاع الطاقة. أما من حيث حجم التجارة وتنويع القطاعات وعمق الروابط التجارية، فيظهر المغرب بحضور أمريكي أوسع وأكثر تنوعًا.

وبالتالي فإن الجزائر تمثل بالنسبة للمستثمر الأمريكي سوقًا مهمة خصوصًا في الطاقة والمحروقات، بينما يقدم المغرب منصة أوسع في الصناعة والتجارة والخدمات والتصدير وسلاسل القيمة. وهذا الاختلاف هو المفتاح لفهم طبيعة المصالح الاقتصادية الأمريكية في البلدين بدل الاعتماد على رقم إجمالي واحد فقط


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

أهم ما جاء في بيان هام صادر عن مؤسسة للمقاولة والاستثان SE

​  : أبرئ زملائي تماماً أمام الله وأمامكم، وأؤكد للجميع بكل صدق ووضوح بأنني المسؤول الوحيد والأوحد عن كل ما حدث وحدي، وليس لزملائي لا من بعيد ولا من قريب علاقة بالموضوع ، فكل ما يتعلق بالقرارات الإدارية والتسيير يعود لي وحدي ، استناداً إلى قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ​سابعاً: نؤكد للجميع وبكل وضوح تام، بأنه لا علاقة لي بالدولة ولا بمؤسساتها رسمياً أو فعلياً، لا من قريب ولا من بعيد، وانا فرد مثلي مثل أي فرد اخر نعمل بمعزل عن أي صفة رسمية للدولة، وكل امرئ محاسب عن فعله ومستقل بذمته استشهاداً بقوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...