في المناطق المحتلة من الصحراء الغربية، لا تبدأ أزمة الانتخابات من صندوق الاقتراع، ولا تنتهي عند إعلان النتائج. فالقضية الأصلية تتعلق بإقليم لم يُحسم وضعه السياسي بعد، وما يزال مدرجاً على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. لذلك، لا يجوز الخلط بين انتخابات تُجرى داخل المؤسسات التي تديرها الدولة المغربية وبين ممارسة الشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير.
تقدّم الأحزاب الانتخابات باعتبارها مناسبة لاختيار ممثلين محليين وتدبير الشأن العام. لكن المشهد، في نظر قطاع واسع من الصحراويين، يبدو مختلفاً: تنافس على المقاعد، واستقطاب للوجهاء، واستثمار في الولاءات العائلية والقبلية، ثم سباق نحو المجالس المنتخبة والإدارات المحلية. هنا تتحول الانتخابات من وسيلة لمحاسبة السلطة إلى طريق للوصول إليها، ومن عقد سياسي مع المواطنين إلى استثمار ينتظر أصحابه عائداً من النفوذ والامتيازات والصفقات.
صناعة «ملوك الطوائف»
لا تحتاج منظومة السيطرة دائماً إلى إدارة كل التفاصيل بصورة مباشرة. يكفيها أحياناً أن تصنع نخباً محلية متنافسة، تمنح كل واحدة منها مجالاً محدوداً للنفوذ، ثم تجعل استمرار هذا النفوذ مرتبطاً برضا السلطة المركزية. هكذا يظهر ما يمكن تسميته «ملوك الطوائف الانتخابيين»: شخصيات تتنازع الدوائر والمجالس، لكنها لا تملك قراراً سيادياً مستقلاً، ولا تستطيع تجاوز الحدود السياسية المرسومة لها.
يمنح المقعد الانتخابي صاحبه صفة تمثيلية ووسائل للتأثير في التوظيف المحلي، وتوزيع بعض الخدمات، والوصول إلى المعلومات والصفقات والموارد. وفي غياب رقابة مستقلة وشفافية كاملة، يمكن أن تتحول هذه الصلاحيات إلى شبكة محسوبية؛ فيُكافأ الموالي، ويُهمَّش المعارض، وتصبح حاجة المواطن إلى العمل أو السكن أو المساعدة الاجتماعية أداة لضبط موقفه السياسي.
فالتمثيل الديمقراطي الحقيقي يقوم على اختيار البرامج ومحاسبة المنتخبين وخدمة المواطنين على قدم المساواة، بينما يقوم الريع الانتخابي على الولاء للأشخاص والعائلات وتوزيع الامتيازات وتحويل الخدمات إلى مكافآت سياسية. وعندما يغيب التدقيق في المال العام وتُستبعد المواقف السياسية الجوهرية، يتسع مجال المحسوبية وشبهات الفساد، ويفقد التنافس الانتخابي معناه الحقيقي.
انتخابات تحت سقف سياسي مغلق
لا يمكن الحديث عن منافسة انتخابية كاملة إذا كان الموقف من الوضع النهائي للإقليم نفسه محاصراً. تؤكد تقارير حقوقية دولية عن الصحراء الغربية إلى أن الصحراويين المؤيدين للاستقلال لا تستطيع العمل كأحزاب سياسية في الجزء الخاضع للسيطرة الاحتلال المغربي ، وأن المرشحين المناهضين لتلك السيطرة لا تتاح لهم منافسة انتخابية طبيعية. كما توثق هذه التقارير قيوداً ومضايقات تستهدف ناشطين صحراويين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومؤيدين للاستقلال.
هذه المعطيات تضعف الادعاء بأن صندوق الاقتراع يعكس الإرادة السياسية الحرة للسكان. فالانتخابات ليست أوراقاً وصناديق ولجان فرز فقط؛ بل تحتاج إلى حرية التعبير والتنظيم والتجمع، وإلى إعلام مستقل، وقضاء قادر على حماية المرشحين والناخبين، وإمكان حقيقي لتغيير السياسات. عندما تُستبعد الخيارات السياسية الأساسية، يصبح التنافس محصوراً في سؤال: من يدير الواقع القائم؟ بدلاً من السؤال الأسبق: من يملك الحق في تقرير مستقبل الإقليم؟
من خدمة السكان إلى الاستثمار في النفوذ
تعقد بعض الأحزاب آمالاً كبيرة على المقاعد المحلية، لا لأنها تمنحها وحدها شرعية سياسية، بل لأنها تفتح لها أبواب الإدارة والميزانيات وشبكات المصالح. وقد يتحول الإنفاق الانتخابي، في هذه الحالة، إلى استثمار طويل الأمد: دعم مرشح اليوم مقابل النفوذ غداً، وتعبئة الأصوات مقابل التحكم في التعيينات أو العقود أو توزيع .
ثمن هذه المنظومة
الخاسر الأول هو المواطن الصحراوي. فبدلاً من أن تكون الإدارة أداة لحماية الحقوق، قد تتحول إلى ساحة مساومة على الخدمات الأساسية. وبدلاً من بناء مؤسسات عامة، تتوسع شبكات الأشخاص. وبدلاً من توحيد المجتمع حول مطالبه الكبرى، يجري تفتيته بين مرشحين وعائلات ودوائر انتخابية ومصالح قصيرة الأمد.
أما الخاسر الثاني فهو معنى السياسة نفسه. عندما يصبح النجاح مرهوناً بالقرب من مراكز النفوذ، يتراجع أصحاب البرامج والكفاءات، ويصعد الوسطاء القادرون على جمع الأصوات وتوزيع الوعود. عندها لا يعود المنتخب ممثلاً للمواطنين أمام الإدارة، بل يصبح ممثلاً للإدارة داخل المجتمع.
ما الذي ينبغي المطالبة به؟.
المطلوب هو فرض قواعد واضحة: نشر ميزانيات المجالس وعقودها وصفقاتها؛ الإعلان عن ممتلكات المسؤولين وتضارب المصالح؛ إخضاع التوظيف والدعم الاجتماعي لمعايير معلنة؛ حماية الصحافة والمدافعين عن حقوق الإنسان؛ تمكين الهيئات المستقلة من الرقابة؛ والتحقيق القضائي في كل ادعاء جدي بالاختلاس أو شراء الأصوات. وقبل ذلك كله، يجب ضمان حرية الصحراويين في التعبير عن مختلف الخيارات السياسية من دون خوف أو عقاب.
ليست المشكلة في أن يختار الناس من يدير النظافة أو النقل أو الأحياء. المشكلة أن تتحول هذه الاختيارات المحدودة إلى ستار يحجب السؤال السياسي الأكبر، وأن تتحول المجالس إلى بوابات للريع، والمرشحون إلى وسطاء، والناخبون إلى أرقام في معركة على النفوذ.
إن الانتخابات التي لا تحمي الإرادة الحرة، ولا تسمح بتعدد سياسي حقيقي، ولا تخضع المال العام للمحاسبة، قد تنتج منتخبين؛ لكنها لا تنتج بالضرورة ديمقراطية. وفي الصحراء الغربية، لن تمنح صناديق محلية شرعية نهائية لوضع لم يحسمه شعب الإقليم بإرادة حرة. أما «ملوك الطوائف» فقد يربحون مقاعد ودورات انتخابية، لكنهم لا يستطيعون إلغاء حق شعب كامل في أن يقرر مستقبله.
تعليقات
إرسال تعليق